من هم “الشيربا” ولماذا يقطع قادة العالم آلاف الأميال لعقد قمم لا تتجاوز الساعة؟

يثير إصرار الرؤساء والزعماء على قطع مسافات شاسعة عبر الطائرات الرئاسية لعقد لقاءات ثنائية خاطفة لا تتجاوز الساعة الواحدة تساؤلات مستمرة حول جدواها، في ظل توفر الاتصالات الرقمية والشبكات المشفرة. وتؤكد مصادر دبلوماسية وأمنية أن هذه التحركات المباشرة تظل أداة حاسمة في إدارة العلاقات الدولية لا يمكن للوسائل الرقمية استبدالها.
التحصين الرقمي وغرف “سكيف” المعزولة
تأتي الدوافع السيادية والأمنية في صدارة أسباب ترجيح لقاءات قادة العالم الخاطفة؛ إذ تظل الاتصالات الهاتفية والفضائية عرضة للقرصنة والتجسس السيبراني من جهات معاداة مهما بلغت مستويات التشفير.
وللحد من هذه المخاطر، تعمد الأجهزة الاستخباراتية المرافقة للقادة إلى بناء وحدات عمليات مؤقتة تُعرف بـ (SCIF) داخل مقار الإقامة أو السفارات، وهي غرف مصفحة ومزودة بعزل فيزيائي يمنع اختراق الموجات الكهرومغناطيسية والراديوية.
كما يتخلى القادة والمترجمون عن الهواتف والساعات الذكية قبل الدخول، مع تفعيل أنظمة “الضوضاء البيضاء” وأجهزة الليزر على النوافذ لمنع التجسس الصوتي.
سيكولوجية اللقاء والتاريخ السياسي
يرى خبراء السياسة الخارجية أن “كيمياء الثقة” ولغة الجسد تشكلان المكون الأساسي لحسم الأزمات الكبرى، حيث يتيح التواصل المباشر رصد نبرة الصوت ونظرات العين لتقييم جدية الأطراف، وهو ما تفتقر إليه الشاشات.
وقد شهد التاريخ السياسي قمماً خاطفة غيرت مسار الأحداث، أبرزها:

قمة جنيف 1985: جمعت بين ريغان وغورباتشوف في لقاء منفرد قصير كسر جمود الحرب الباردة.

قمة جنيف 2000: لقاء خاطف بين حافظ الأسد وبيل كلينتون حدد مسارات ملف السلام بالشرق الأوسط.

قمة سنغافورة 2018: جمعت ترامب وكيم جونغ أون وتحولت فوراً من التهديد بالصراع النووي إلى التهدئة.
دور “الشيربا” في هندسة المفاوضات
يقف خلف كل ساعة يقضيها الرؤساء مغلقاً عليهم الأبواب كادر إداري ودبلوماسي مُعقّد يقوده مستشارون يُعرفون بـ “الشيربا” (The Sherpas)، وهو مصطلح مستعار من الأدلاء المحليين في جبال الهيمالايا الذين يمهدون طريق الوصول لقمة “إفرست”.
وتتركز مهام صانعي كواليس القمم الرئاسية في ثلاثة مسارات رئيسية:
صياغة البيانات الختامية: إعداد مسودات الاتفاقيات عبر اجتماعات مكثفة تجرى قبل أشهر لتفادي أي مفاجآت.
تفكيك العقد التفاوضية: حسم 99% من القضايا الخلافية، وتمرير النقاط الاستعصائية المتبقية للقادة لبتها في لقاء الساعة الواحدة.
قنوات اتصال سرية: توفير خط ساخن ومباشر بين القصور الرئاسية لتبادل الرسائل وجس النبض بعيداً عن الإعلام.
روسيا اليوم



