منظمات حقوقية تدعو للتحقيق بحوادث اختفاء فتيات في سوريا

في تطور يعكس تنامي القلق الحقوقي في سوريا، أعربت 50 منظمة ومبادرة حقوقية ومدنية، اليوم الثلاثاء، عن بالغ قلقها إزاء استمرار ورود تقارير وشهادات متواترة حول اختطاف نساء وفتيات واختفائهن في مناطق سورية مختلفة . وشددت المنظمات، في بيان مشترك، على أن طبيعة هذه الادعاءات وخطورتها لا تسمح بالتعامل معها بوصفها “حالات عائلية” أو “حوادث فردية” قبل إخضاعها لتحقيقات مهنية مستقلة .
وأكدت المنظمات أن تصنيف حالات الاختفاء على أنها “مغادرة طوعية” أو “نزاعات أسرية” لا يجوز أن يتم استناداً إلى افتراضات مسبقة أو تسجيلات مصورة غير موثقة، بل يجب أن يستند إلى مقابلة الضحية بصورة مستقلة وآمنة، وأدلة قابلة للفحص القضائي، مع مراعاة احتمال تعرضها للإكراه أو التهديد أو الخوف من الانتقام .
آثار تمتد إلى المجتمع: الخوف يقيد حركة النساء
أشار البيان إلى أن هذه الوقائع ترتبت عليها آثار تتجاوز الضحايا المباشرات، حيث أسهمت في نشر الخوف بين النساء والفتيات، وتقييد حركتهن ووصولهن إلى التعليم والعمل والحياة العامة . كما دفعت بعض الأسر إلى الامتناع عن الإبلاغ خشية الوصم أو الانتقام أو عدم التعامل الجدي مع الشكاوى. وتزداد المخاطر عندما يكون المشتبه بهم من العاملين في أجهزة أمنية أو من ذوي النفوذ، أو عندما تقع الانتهاكات داخل أماكن احتجاز رسمية أو غير رسمية، مما يقوض ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة ويثير تساؤلات حول استقلال التحقيقات .
وشملت المنظمات الموقعة أسماء بارزة مثل: “سين للسلم الأهلي”، و”رابطة عائلات قيصر”، و”المركز السوري للعدالة والمساءلة”، و”مجلس إيزيديي سوريا”، و”البرنامج السوري للتطوير القانوني” .
قضية بتول علوش: جدل بين نفي الخطف ومطالبات بالتحقق
تطرق البيان إلى قضية الطالبة الجامعية بتول سليمان علوش، التي أبلغت أسرتها عن اختفائها في مدينة اللاذقية، قبل ظهورها في تسجيلات مصورة نفت فيها تعرضها للاختطاف وأفادت بأنها غادرت طوعاً . لكن البيان شدد على أن هذه التسجيلات لا تشكل دليلاً كافياً على انتفاء الإكراه، مشيراً إلى ضرورة التحقق من مكان وجودها وسلامتها وحرية إرادتها بواسطة جهة قضائية مستقلة .
وكانت النيابة العامة في اللاذقية قد أكدت أن بتول “حرة طليقة” ولا يوجد جرم خطف بحقها، وأنها غادرت بمحض إرادتها لأسباب دينية . لكن عائلتها تواصل التشكيك بظروف ظهورها، بينما أوكلت بتول محامياً لمتابعة قضيتها وأكدت رفضها العودة إلى المنزل .
شهادة ولاء محمود: اتهامات خطيرة بالاحتجاز والتعذيب
كما أعربت المؤسسات عن قلقها البالغ إزاء الشهادة المصورة التي أدلت بها ولاء محمود، من ريف جبلة، والتي أفادت فيها بتعرضها للاختطاف بتاريخ 25 آذار/مارس 2026، ثم للاحتجاز والاعتداء المتكرر والتهديد، وسمت شخصاً قالت إنه يشغل موقعاً أمنياً في مدينة جبلة . ونقلت ولاء لاحقاً إلى مركز أمني في محافظة اللاذقية، حيث كانت امرأة أخرى محتجزة في ظروف صحية متدهورة، وسمعت أصوات تعذيب لمحتجزين آخرين .
وأكد المركز السوري للإعلام وحرية التعبير أن هذه الادعاءات، إن ثبتت، قد تشكل انتهاكات جسيمة للقانون السوري والدولي، بما في ذلك الخطف والاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري والعنف الجنسي والتعذيب وإساءة استعمال السلطة . وتثير القضية شبهة استغلال الصفة الأمنية لتسهيل الاحتجاز ومنع الضحية من التواصل مع أسرتها أو الاستعانة بمحامٍ .
مطالب المنظمات: تحقيق فوري وآلية وطنية لمكافحة الاختطاف
طالبت المنظمات الموقعة السلطات السورية بعدة إجراءات عاجلة :
- فتح تحقيق قضائي فوري ومستقل وشفاف في وقائع شهادة ولاء محمود، يشمل كل من يشتبه بتورطه، مع تعليق ممارسة الصلاحيات الوظيفية والأمنية لأي شخص يرد اسمه في التحقيق إلى حين انتهاء الإجراءات.
- تحديد مكان بتول علوش وتمكين جهة قضائية مستقلة من مقابلتها على انفراد، للتحقق من سلامتها وحرية إرادتها، وإبلاغ أسرتها رسمياً بالنتائج.
- التحقيق في جميع الأماكن غير المرخصة التي يشتبه في استخدامها لإيواء النساء أو احتجازهن، والكشف عن أماكن الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية وإخضاعها لرقابة قضائية فعلية.
- إنشاء آلية وطنية مستقلة لتلقي بلاغات اختطاف النساء والفتيات، تتضمن خطاً ساخناً يعمل على مدار الساعة، ونقاط اتصال في المحافظات، ووحدات تحقيق تضم محققات مدربات وخبيرات في العنف الجنسي والأدلة الرقمية.
- ضمان حماية الضحايا والشهود من الانتقام والترهيب، وتأمين الدعم الطبي والنفسي والقانوني بصورة سرية ومجانية.
- نشر بيانات دورية وشفافة عن أعداد البلاغات والإجراءات المتخذة ونتائج التحقيقات، مع الحفاظ على سرية بيانات الضحايا.
اختبار حقيقي لسيادة القانون
اختتمت المنظمات بيانها بالتأكيد على أن الاعتراف بخطورة اختطاف النساء والفتيات والتحقيق الجدي في هذه الوقائع يمثل شرطاً أساسياً لحماية المجتمع وترسيخ سيادة القانون . وأضافت أن التعامل مع قضية المختطفات يشكل اختباراً جاداً لقدرة السلطات السورية على ضمان المساواة أمام القانون، وخضوع أصحاب النفوذ للمساءلة، ومنع الإفلات من العقاب، واستعادة ثقة السوريين بمؤسسات الدولة .
عنب بلدي



