الاخبار

من ارتفاع الأسعار إلى إفلاس المُربين.. هل تقتل سياسة الاستيراد قطاع الدواجن السوري؟

في مشهد يتكرر بوتيرة مقلقة، يعود سعر الفروج وأجزاؤه في الأسواق السورية ليرسم منحنيات صاعدة تثير الجدل وتنذر بأزمة هيكلية تطال أحد أهم مصادر البروتين الحيواني للأسر السورية، في وقت كان من المفترض أن يسهم اتفاق بين وزارة الزراعة ولجنة تربية الدواجن بوضع حدٍّ لهذه التقلبات.

فقد نص الاتفاق الذي أبرم مؤخراً على إصدار نشرة تأشيرية أسبوعية يتم من خلالها الالتزام ببيع طن الفروج الريش من أرض المدجنة بسعر لا يتجاوز الألفي دولار، غير أن هذا الاتفاق سرعان ما ذهب أدراج الرياح.

أسعار قياسية تعيد الجدل
قفزت الأسعار إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، ليصل سعر كيلو الشرحات إلى حدود ألف ليرة جديدة، وكيلو الفروج الحي إلى أربعمئة ليرة جديدة، ما أعاد بقوة طرح سؤال مصيري: هل تفلت السوق من قبضة التنظيم مرة أخرى، أم أن سياسات الاستيراد المتقلبة هي من تصنع الأزمة؟

وفي هذا السياق، يرى أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، أن الاتفاق المذكور بات مجرد حبر على ورق، إذ لم يلتزم به مربو الدواجن الذين تمت الاستجابة لمطالبهم سابقاً بإيقاف استيراد الفروج حماية للمنتج المحلي.

ويوضح أنه في مقابل الوعود بانخفاض الأسعار خلال أيام، شهد السوق ارتفاعاً كبيراً وغير مسبوق، مشيراً إلى أن الحلقات الوسيطة، وعلى وجه الخصوص المسالخ، هي المستفيد الأكبر من هذا الارتفاع، في حين أن المربين أنفسهم غير مسيطرين على الأسعار، حيث تقوم المسالخ بإغراء بعضهم وشراء الفروج منهم بسعر أعلى من التسعيرة التأشيرية الأسبوعية المتفق عليها.

ويردف بأن المربين يرددون أن العرض أكبر من الطلب، لكن الواقع على الأرض يظهر العكس، مع ازدياد الطلب بشكل كبير من قبل المطاعم والمنتجعات السياحية التي وصلت إلى ذروة الموسم، ناهيك عن حالات النفوق التي طالت الدواجن خلال موجة الحر الشديدة، مما أثر سلباً على الإنتاج .

وفي ختام حديثه، دعا حبزة إلى عودة السماح باستيراد الفروج، لكن بشرط أن يكون ضمن ضوابط محددة وغير عشوائي، بهدف حماية المنتج المحلي وتوفير المادة للمستهلك بسعر معقول ينسجم مع قدرته الشرائية.

الاستيراد كصدمة للمربين
غير أن الخبير الاقتصادي جورج خزام يذهب إلى أبعد من ذلك في تحليله، معتبراً أن قطاع الدواجن في سوريا يعيش تناقضاً اقتصادياً فريداً، إذ إن ارتفاع الأسعار، الذي يفترض أن يكون حافزاً للمربين لزيادة الإنتاج، يقابله في سوريا تراجع في التربية وانكماش في الإنتاج واستمرار في ارتفاع الأسعار.

ويعزو خزام هذا الشذوذ إلى سياسات وزارة الاقتصاد التي بات المربون يعرفون مسبقاً أنها تتربص بكل ارتفاع في الأسعار لتفتح أبواب الاستيراد فجأة وبشكل منفلت، مما يحدث صدمة عرض تقضي على أي مكاسب متوقعة وتكبّد المربين خسائر فادحة، وصولاً إلى التصفية الجماعية للمداجن، كما حصل مراراً خلال العام ونصف العام الماضيين .

وأكد أن هذه الآلية حولت القطاع إلى ساحة صراع غير متكافئ بين منتج محلي يكافح من أجل البقاء وسياسات استيرادية تتسم بالتقلب وعدم الاستقرار، مما قوض أي فرصة لبناء قطاع دواجن وطني قادر على المنافسة وتلبية احتياجات السوق .

مخاوف تتجاوز السعر
لا تقف المشكلة عند حدّ تقلب القرارات، بل تمتد إلى طبيعة المنتج المستورد نفسه، إذ يحذر خزام من أن الأسواق السورية تغرق بكميات من الفروج التركي الذي يصفه بـ “نفايات الأسواق التركية” و “منتهي الصلاحية”، الذي يعاد تغليفه وتاريخ صلاحيته، أو فروج غير صحي ومريض رخيص الثمن، يتغذى على مخلفات المسالخ من العلف الحيواني في عملية إعادة تدوير، لتكون دورة حياته ثلاثين يوماً فقط.

ويؤكد أن هذا يتناقض تماماً مع الفروج الصحي السوري، الذي يعتمد في تغذيته على العلف النباتي وتستغرق دورة حياته خمسة وأربعين يوماً، مما يجعله أعلى جودة وأغلى تكلفة، لكنه غير قادر على منافسة ذلك الفروج المستورد الرخيص الذي يغزو السوق .

وفي هذا السياق، يلفت خزام إلى أن ما يجري في قطاع الدواجن لا يعدو كونه “مؤامرة” حقيقية، ضحيتها المباشرة المستهلك السوري الذي يتناول منتجاً قد يكون غير صحي، والمربي الذي يُدفع للإفلاس بسبب سياسات تنظيمية تستهدف تدمير القطاع الوطني، في وقت تشير تقارير إلى أن قطاع الدواجن الذي كان مزدهراً قبل الحرب ينتج اليوم بكميات متواضعة، بعد أن كانت صادراته تبلغ سابقاً ملياراً وخمسمئة مليون بيضة سنوياً إلى دول الخليج.

كما يطرح خزام تساؤلاً جوهرياً: إذا كان الفروج المستورد هو الحل المعتمد لضبط الأسعار وتلبية احتياجات السوق، فلماذا لا يتجه المستهلك السوري إلى شراء اللحوم الحمراء المجمدة المستوردة، والتي توصف بأنها صحية وتتوافر في الأسواق بأسعار زهيدة تصل إلى ثمانين ألف ليرة سورية للكيلوغرام الواحد، كبديل عن جميع أصناف الفروج المستورد التي تثير مخاوف صحية كبيرة؟

ويبدو أن هذا السؤال يبقى معلقاً دون إجابة، في ظل غياب سياسة واضحة تحمي المنتج المحلي وتضمن سلامة الغذاء للمواطن، وتفتح المجال أمام خيارات صحية بديلة.

أزمة إنتاج لا مجرد ارتفاع أسعار
إن ما يعصف بقطاع الدواجن السوري اليوم ليس مجرد أزمة عارضة في الأسعار، بل هو نتاج لتراكمات سياسية وإدارية جعلت من هذا القطاع الحيوي رهينة لقرارات استيرادية متقلبة، تارة تمنع الاستيراد استجابة لاحتجاجات المربين ، وتارة تسمح به بشكل منفلت لإشباع نهم السوق الاستهلاكية ، دون أي اعتبار للجدوى الاقتصادية أو السلامة الصحية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن كميات الذبح اليومية للفروج في بعض مسالخ دمشق تراجعت من ستة إلى ثمانية أطنان يومياً إلى نحو ثلاثة أطنان فقط، نتيجة عزوف المربين عن التربية بسبب ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج وضعف هامش الربح. كما أن أسعار الأعلاف، التي تشكل ما بين 70 و80 بالمئة من تكلفة الإنتاج، والتي يعتمد معظمها على الاستيراد، تبقى العامل الأكثر تأثيراً في ارتفاع الأسعار وخروج أعداد كبيرة من المربين من الإنتاج .

ويهدد استمرار هذه السياسات المتقلبة وغير المدروسة بأن يدفع بالقطاع نحو الهاوية، ويزيد من تبعية سوريا للأسواق الخارجية في غذائها الأساسي، على حساب المنتج الوطني وصحة المستهلك، ما يستدعي ضرورة وضع استراتيجية متكاملة تنظم دورات الإنتاج، وتدعم المربين، وتضمن جودة المنتج المستورد، وتحقق التوازن بين مصالح المنتجين والمستهلكين، بعيداً عن سياسات “التربص” و”الكمين” التي حولت قطاع الدواجن إلى ساحة خسائر متجددة.

الحل نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى