الاخبار

دفتر هواتف يقود إلى مدير استخبارات الأسد

في شقة فاخرة مهجورة بالعاصمة السورية دمشق، عثر مسلحون يرتدون بزات عسكرية على عشرات الصور لرجل نحيل في مواقف مختلفة، بينها نسخ متعددة لصورة تجمعه مبتسماً وهو يصافح بشار الأسد. وبجانب الميداليات الذهبية والشهادات المذهبة، حملت الأوراق اسم حسام لوقا، مدير الاستخبارات العامة في عهد النظام السوري السابق، الذي بات يعرف بلقب “العنكبوت” .

هذا المشهد كان نقطة البداية لتحقيق استقصائي استمر أشهراً، أجرته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، كشف في نهايته وجود لوقا في العاصمة الروسية موسكو، وتمكن من التواصل معه هاتفياً، في وقت تلاحقه فيه السلطات السورية باتهامات تشمل القتل العمد والتعذيب .

دفتر هواتف يقود إلى خيوط المطاردة
في زاوية غرفة المعيشة، عثر فريق “بي بي سي” على دفتر عادي المظهر، يحوي بخط أزرق متسرع عشرات الأسماء – من أصحاب متاجر وأطباء إلى ضباط عسكريين وأشخاص يحملون اسم عائلة لوقا . تم تصوير كل صفحات الدفتر الذي ضم 155 رقماً، وبدأ الفريق في لندن اختبارها، ليكتشف أن 51 رقماً لا تزال فاعلة .

ومع أن معظم المكالمات باءت بالفشل – إذ كان من يرد إما يغلق الخط فور معرفة هوية المتصلين، أو ينكر معرفته بلوقا – فإن بعض الأرقام قادت إلى خيوط جديدة . ففي دمشق، حجز مراسل “بي بي سي” مواعيد طبية للقاء أطباء وردت أسماؤهم في الدفتر، وكشف أحدهم عن صيدلية تعود لإحدى بنات لوقا، لكن سكان المنطقة قالوا إنها لم تُر منذ ديسمبر 2024 .

من دمشق إلى موسكو عبر لبنان
بعد أشهر من الطرق المسدودة، جاءت أولى الثغرات عندما رد أحد أصحاب الأرقام، وقال إنه كان حارساً لمبنى شقة لوقا، ووافق على إعطاء رقم حارسه الشخصي، الذي أشار إليه الفريق باسم “محمود” . وبعد لقاء متوتر في فندق قبيل منتصف الليل، كشف الحارس أن لوقا هرب مع ساعات الفجر الأولى من ديسمبر 2024، آخذاً معه مبلغاً كبيراً من خزنة المكتب، وترك حارسه خلفه .

اتجهت الأنظار إلى لبنان. وقال مصدر رفيع في الحكومة اللبنانية لـ”بي بي سي” إن المعلومات تشير إلى أن لوقا عبر لبنان مستخدماً جواز سفر روسياً باسم مختلف، ثم غادر جواً إلى روسيا . وعثر الفريق على رجل مقيم في لبنان، ورد اسمه في دفتر لوقا، قال إن لديه رقماً للوقا يحمل مفتاح الاتصال الدولي الروسي .

اتصال هاتفي مع “العنكبوت”
للتأكد من أن الرقم يعود فعلاً إلى لوقا، وافق الوسيط على الاتصال به ووضع المكالمة على مكبر الصوت بحضور فريق “بي بي سي”، وطرح عليه أسئلة يفترض أن لا يعرف إجاباتها سواه. بدا الصوت مرتبكاً لكنه أجاب فوراً وبشكل صحيح، لكنه رفض التحدث إلى الصحافيين مباشرة .

في مكالمة لاحقة، عرّف صحفيو “بي بي سي” بأنفسهم وأخبروه أنهم يريدون سؤاله عن اتهامات تتعلق بمجازر وأعمال تعذيب. فرد لوقا بنبرة قلقة: “لا يمكنني المخاطرة بالتحدث عبر الهاتف في الوضع الذي أنا فيه” . وحين سُئل إن كانت روسيا تمنعه من الحديث، أجاب: “لا أستطيع التحدث. لا أستطيع أن أشرح. عليكم أن تفهموا”، وعندما سُئل عن إمكانية لقائهم خارج روسيا، قال إن ذلك “صعب” ثم أنهى المكالمة .

موقع إقامته ورفض التعليق
حصل فريق “بي بي سي” لاحقاً على رقم ثانٍ قيل إنه يعود إلى لوقا، مسجل في سوريا ومرتبط بحسابات تواصل وتطبيقات مراسلة بدا أنه ما زال يستخدمها. وتمكن الفريق خلال يوم واحد من تحديد موقعه في منطقتين شبه سكنيتين على أطراف موسكو، بدتا بعيدتين عن نمط الحياة الفاخرة التي يُقال إن الأسد يعيشها في منفاه .

وعند محاولة الاتصال مجدداً، رد الصوت نفسه، وعندما علم أن المتصل من “بي بي سي”، أغلق الخط فوراً. ولم يرد على رسالة طلب التعليق على الاتهامات الموجهة إليه، كما لم ترد الحكومة الروسية على أسئلة “بي بي سي” بشأن وجوده أو احتمال النظر في طلب تسليمه .

ملاحقة قضائية واتهامات بمجازر
في سوريا، قال النائب العام السوري حسن التربة لـ”بي بي سي” إن السلطات بدأت إجراءات قضائية بحق لوقا بتهم “القتل العمد والتعذيب والوفاة الناتجة عن التعذيب”، وأضاف أن مذكرة توقيف عممت داخلياً ويجري العمل على تعميمها دولياً، وأن دمشق تسعى إلى تحديد مكانه وطلب تسليمه .

ويتهم لوقا، بصفته رئيساً لفرع الأمن السياسي في حمص ثم مديراً للمخابرات العامة، بالتورط في انتهاكات جسيمة، أبرزها ما يعرف بـ “مجزرة العيد” في حي الوعر بحمص عام 2015. وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قتل في تلك الضربة 28 شخصاً، بينهم 17 طفلاً و4 نساء، وكان لوقا مسؤولاً عن اختيار الأهداف في المنطقة ذلك اليوم، وفقاً لمجموعة حقوقية سورية وصحيفة معارضة . وقد أشارت الولايات المتحدة إلى هذه المجزرة حين أدرجت لوقا على قوائم العقوبات .

اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى