اقتصاد

استنزاف الدولار من السوق السورية.. من المستفيد؟

أثار توسع التعامل بالدولار في عدد من العقود والمشاريع داخل سورية جدلاً اقتصادياً حول تأثير هذه الممارسات في السيولة الأجنبية المتاحة في السوق المحلية، وما إذا كانت بعض المشاريع الاستثمارية تسهم فعلاً في إدخال عملات أجنبية جديدة إلى البلاد، أم تعتمد بصورة أساسية على مدخرات السوريين الموجودة أصلاً داخل الاقتصاد.
وبحسب ما نشره موقع «زمان الوصل»، فقد اطلع خلال العام الحالي على 28 عقداً حكومياً وخاصاً أُبرمت بالدولار بدلاً من الليرة السورية.
ويرى الموقع أن الإشكالية لا تكمن فقط في استخدام العملة الأجنبية، وإنما في طبيعة تدفق الدولار المرتبط بهذه العقود والمشاريع.
هل تدخل دولارات جديدة إلى سورية؟
تتمثل إحدى أبرز نقاط الجدل في بعض المشاريع العقارية التي تطرح وحداتها للاكتتاب بالدولار، بينما لا يسبق إطلاق المشروع، وفق الطرح الوارد في التقرير، ضخ رأس مال أجنبي جديد داخل سورية.
وفي هذه الحالة، قد تعتمد الشركة على تحصيل الدفعات من المواطنين الراغبين بالاكتتاب، بما يعني أن مصدر التمويل الأساسي يكون من مدخرات محلية موجودة مسبقاً، وليس من تدفقات مالية جديدة قادمة من الخارج.
وتزداد حساسية المسألة عندما تكون المشاريع طويلة الأجل، تمتد لسنوات قبل اكتمالها، إذ يمكن أن تتحول أموال المواطنين خلال هذه الفترة إلى أصول عقارية قيد الإنشاء بدلاً من بقائها ضمن الدورة النقدية أو توجيهها إلى قطاعات إنتاجية أخرى.
ويرى منتقدو هذا النموذج أن الاستثمار الأجنبي الحقيقي ينبغي أن يتضمن تدفقاً فعلياً لرأس المال من الخارج، وليس مجرد حصول شركة أجنبية على فرصة استثمارية ثم تمويل المشروع من السوق المحلية.
ماذا يمكن أن يحدث للدولار؟
إذا توسع الطلب على الدولار لتمويل مشاريع عقارية أو عقود طويلة الأجل، فقد يؤدي ذلك، بحسب هذه القراءة، إلى زيادة الضغط على سوق القطع الأجنبي، خصوصاً إذا لم يقابله دخول مماثل للعملة الصعبة من الخارج.
وقد ينعكس ذلك على توفر الدولار أمام التجار والمستوردين الذين يحتاجونه لتمويل شراء السلع من الخارج.
وفي حال اضطر المستورد إلى شراء الدولار بسعر أعلى نتيجة محدودية المعروض، فإن زيادة تكلفة الاستيراد قد تنتقل في نهاية المطاف إلى أسعار السلع، بما فيها المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية.
وبذلك قد تظهر مفارقة اقتصادية تتمثل في توجيه جزء من العملة الأجنبية المتاحة نحو مشاريع عقارية طويلة الأجل، في الوقت الذي تحتاج فيه القطاعات التجارية والإنتاجية إلى الدولار لتمويل الاستيراد وتحريك النشاط الاقتصادي اليومي.
عقود بالدولار ومخاوف من استنزاف السيولة
يشير التقرير إلى وجود عقود حكومية وخاصة مقومة بالدولار، بينها عقود أبرمت بالتراضي بقيم تصل إلى مئات ملايين الدولارات، مع دفعات مقدمة متفاوتة.
ويرى منتقدو هذه الآلية أن اتساع نطاق العقود المقومة بالدولار قد يزيد من الطلب المحلي على العملة الأجنبية، خصوصاً إذا كانت الالتزامات المالية تُسدّد من السوق السورية بدلاً من تمويلها من موارد خارجية.
لكن تقييم الأثر الفعلي لهذه العقود يحتاج إلى معرفة مصادر التمويل، وحجم الأموال التي تدخل إلى سوريا فعلياً، وتلك التي يعاد تدويرها داخل السوق المحلية.
ما الحلول المقترحة؟
للتعامل مع مخاطر نقص السيولة الأجنبية، يطرح التقرير مجموعة من الإجراءات التي يمكن أن تشكل محوراً للنقاش الاقتصادي، أبرزها:
1. مراجعة سياسات التعاقد
يمكن وضع ضوابط أكثر وضوحاً للعقود المقومة بالعملات الأجنبية، خصوصاً العقود الحكومية، بحيث لا تتحول الالتزامات بالدولار إلى مصدر ضغط إضافي على احتياطي القطع الأجنبي.
كما يمكن اشتراط أن تتضمن الاستثمارات الأجنبية تدفقات مالية فعلية من الخارج، وليس الاعتماد بصورة رئيسية على جمع الدولار من المدخرات المحلية.
2. تعزيز الرقابة على التمويل
من المقترحات المطروحة ربط الموافقات النهائية على المشاريع الكبرى بإثبات مصدر التمويل، والتأكد من إدخال رأس المال الأجنبي إلى البلاد قبل السماح بجمع دفعات كبيرة من المكتتبين.
وهذا من شأنه التمييز بين الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يضيف موارد جديدة للاقتصاد، والمشاريع التي تعتمد على إعادة تدوير السيولة الموجودة أصلاً داخل السوق.
3. إعطاء الأولوية للقطاعات الأساسية
في ظل محدودية موارد النقد الأجنبي، يمكن أن تركز السياسات الحكومية على تأمين تمويل استيراد السلع الأساسية والمواد الغذائية والأدوية ومستلزمات الإنتاج.
كما أن دعم قنوات الاستيراد الرسمية وملاحقة المضاربة غير النظامية قد يساعدان في الحد من الضغوط على سوق الصرف.
هل الاستثمار العقاري هو المشكلة؟
لا يعني ذلك بالضرورة أن الاستثمار العقاري غير مفيد للاقتصاد، إذ يمكن للمشاريع السكنية والعمرانية أن توفر فرص عمل وتحرك قطاعات الإنشاءات والخدمات والمواد الأولية.
لكن السؤال الاقتصادي الأهم يتعلق بمصدر التمويل والأثر الصافي للمشروع: هل يدخل المشروع أموالاً جديدة إلى سورية، أم يسحب مدخرات موجودة أصلاً في السوق؟ وهل يساهم في زيادة الإنتاج والتصدير وفرص العمل، أم يوجه السيولة نحو أصول عقارية طويلة الأجل؟
ومن هنا، فإن النقاش لا يتعلق بالدولار وحده، وإنما بكيفية إدارة الموارد النادرة وتوجيهها نحو القطاعات التي تحقق أكبر قيمة مضافة للاقتصاد السوري.
وفي ظل الحاجة إلى تعزيز الإنتاج والاستيراد وتأمين السلع الأساسية، تبدو الحاجة واضحة إلى سياسة استثمارية تحدد الأولويات، وتضمن أن تكون الاستثمارات الأجنبية مصدراً فعلياً لتدفق رأس المال إلى سوريا، لا مجرد وسيلة لإعادة تدوير السيولة المحلية.
ويبقى تدخل الدولة عبر تشريعات واضحة ورقابة مالية ومصرفية فعالة عاملاً أساسياً لتحقيق هذا التوازن، وحماية سوق الصرف من الضغوط التي قد تنشأ عن التوسع غير المنظم في التعاملات بالدولار.
زمان الوصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى