اقتصاد

هل تفتح المصارف السورية نوافذ للصيرفة الإسلامية؟

يتزايد النقاش في القطاع المصرفي السوري حول إمكانية إدخال خدمات الصيرفة الإسلامية إلى المصارف التقليدية، ولا سيما الحكومية، في ظل تنامي الطلب على المنتجات المالية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، والمساعي الرامية إلى جذب المدخرات وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي.
ويطرح هذا التوجه عدداً من التساؤلات حول مدى ملاءمة التشريعات الحالية، وكيفية الفصل بين الأموال والعمليات التقليدية والإسلامية، فضلاً عن النموذج المصرفي الأكثر ملاءمة للمرحلة الحالية.
وكان وزير المالية محمد يسر برنية قد بحث، خلال أيار الماضي، مع مجلس إدارة المصرف الصناعي إمكانية إطلاق نافذة تقدم خدمات ومنتجات مصرفية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، في مؤشر على تنامي الاهتمام الرسمي بهذا الخيار.
ماذا يقول التشريع السوري؟
يشير خبراء مصرفيون إلى أن المرسوم التشريعي رقم 35 لعام 2005، الخاص بإحداث المصارف الإسلامية، لا ينص على السماح للمصارف التقليدية، سواء كانت حكومية أو خاصة، بفتح نوافذ إسلامية داخلها.
وبموجب التشريع الحالي، يتركز الإطار القانوني على تأسيس مصارف إسلامية مستقلة على شكل شركات مساهمة عامة مغفلة.
ويرى الخبير المصرفي عبد القادر الدويك أن المصارف القائمة تستطيع المساهمة في تأسيس مصرف إسلامي مستقل بنسبة لا تتجاوز 20% من أموالها الخاصة، مقترحاً تعاون المصارف الحكومية الكبرى لتأسيس مصرف إسلامي برأس مال قوي يسمح له ببناء شبكة واسعة من علاقات المراسلة المصرفية.
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي حسن الحاري أن الحاجة باتت أكبر إلى تطوير التشريعات بما يسمح بإدخال منتجات مصرفية إسلامية، مع وضع قواعد واضحة لتنظيم التمويل وضمان التوافق مع المتطلبات الشرعية والرقابية.
الفصل بين الصيرفة التقليدية والإسلامية
يتفق الخبراء على أن نجاح أي نموذج للصيرفة الإسلامية داخل مؤسسة مصرفية تقليدية يتطلب فصلاً واضحاً وكاملاً بين الأموال والعمليات.
ويشمل ذلك تخصيص حسابات منفصلة، وتشكيل هيئة رقابة شرعية مستقلة، واعتماد أنظمة مصرفية قادرة على التعامل مع صيغ التمويل الإسلامية، مثل المرابحة والمشاركة والاستصناع والسلم والإجارة، إلى جانب وضع آلية مستقلة لإدارة السيولة.
ويبرز في هذا السياق دور معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية «AAOIFI»، التي تعد من أبرز المراجع المتخصصة في تنظيم ومراجعة أعمال المؤسسات المالية الإسلامية.
ويرى الدويك أن تأسيس مصرف إسلامي مستقل يظل الخيار الأكثر وضوحاً، بينما يشدد الحاري على إمكانية وجود نموذج مصرفي يجمع بين الخدمات التقليدية والإسلامية، شرط الفصل المحاسبي والتشغيلي بين النشاطين.
الفروع الإسلامية أم النوافذ؟
عند المقارنة بين فتح نافذة إسلامية داخل المصرف وإنشاء فروع مستقلة، يميل عدد من الخبراء إلى الخيار الثاني، باعتباره يوفر فصلاً إدارياً ومالياً وتشغيلياً أكثر وضوحاً.
وفي حال تعذر تأسيس مصرف إسلامي مستقل، يمكن أن تشكل الفروع الإسلامية المنفصلة خياراً انتقالياً، خصوصاً إذا خصصت لها موارد وحسابات وأنظمة تشغيل مستقلة.
تجارب دولية مختلفة
تشير بيانات دولية إلى أن أصول الصيرفة الإسلامية بلغت نحو 3 تريليونات دولار خلال عام 2025، بما يعادل قرابة 70% من إجمالي أصول الصناعة المالية الإسلامية البالغة نحو 4.4 تريليون دولار.
وتتبنى عدة مصارف تقليدية حول العالم نموذج النوافذ الإسلامية، باعتباره وسيلة أكثر مرونة للتوسع في الخدمات المتوافقة مع الشريعة من إنشاء مصرف إسلامي مستقل منذ البداية.
وبحسب تقرير مؤشر تطور التمويل الإسلامي الصادر عن مجموعة بورصة لندن لعام 2025، شكلت النوافذ الإسلامية نحو 48% من إجمالي عدد المؤسسات المصرفية الإسلامية عالمياً خلال 2024، وأسهمت بنحو 14% من أصول الصيرفة الإسلامية، بما يقارب 620 مليار دولار.
وتعد ماليزيا من التجارب اللافتة في هذا المجال، إذ بدأت في تسعينيات القرن الماضي باستخدام النوافذ الإسلامية كمرحلة انتقالية، قبل التوسع في الفصل بين الأنشطة والميزانيات وصولاً إلى تأسيس كيانات إسلامية مستقلة.
كما حقق نموذج النوافذ الإسلامية انتشاراً في السعودية والإمارات، مدفوعاً بوجود طلب قوي على المنتجات المتوافقة مع الشريعة، بينما واجهت التجربة صعوبات في بعض الدول نتيجة ضعف الأطر التنظيمية أو تحديات إثبات الفصل بين الأموال.
ما النموذج الأنسب لسورية؟
تتراوح حصة المصارف الإسلامية الخاصة في السوق السورية، وفق تقديرات الخبراء الواردة في هذا الملف، بين 12 و15%، ما يفتح النقاش حول إمكانية توسيع قاعدة المتعاملين مع الصيرفة الإسلامية.
ويرى الحاري أن إتاحة المنتجات الإسلامية عبر المصارف الحكومية يمكن أن تشجع على جذب جزء كبير من المدخرات، مستفيداً من مستوى الثقة الذي تتمتع به المصارف الحكومية لدى شريحة من المواطنين، ويعتبر أن وجود نافذة إسلامية وأخرى تقليدية مع فصل واضح بينهما قد يكون خياراً عملياً في المرحلة الحالية.
أما الدويك فيعطي الأولوية لتعزيز المصارف الإسلامية الخاصة القائمة، سواء من خلال زيادة رؤوس أموالها أو عمليات الدمج، بالتوازي مع إمكانية تأسيس مصارف إسلامية جديدة ومستقلة.
وفي حال الاتجاه نحو التوسع في الصيرفة الإسلامية ضمن المصارف التقليدية، يفضل الدويك الفروع المستقلة على النوافذ الداخلية.
وفي المحصلة، فإن الانتقال إلى نموذج الصيرفة الإسلامية داخل المصارف السورية يحتاج أولاً إلى معالجة الجانب التشريعي، ووضع قواعد واضحة تضمن الفصل الكامل بين الأموال والعمليات، إلى جانب تطوير الأنظمة التقنية والكوادر المتخصصة والاستفادة من التجارب الدولية.
الخبير السوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى