لماذا يُصاب المزيد من الشباب بسرطان القولون والمستقيم؟

لعقود طويلة، ارتبط سرطان القولون والمستقيم بالتقدم في العمر، ولا تزال غالبية الحالات تظهر بعد سن الخمسين. لكن السنوات الأخيرة شهدت ظاهرة وبائية لافتة، تتمثل في ارتفاع معدلات الإصابة بين الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 50 عاما، فيما يعرف بـ”سرطان القولون والمستقيم المبكر”.
ولا يعني ذلك أن المرض أصبح شائعا بين الشباب كما هو لدى كبار السن، لكن سرعة ارتفاع معدلاته في هذه الفئة دفعت الباحثين إلى البحث عن تفسير لهذه الظاهرة.
وأظهر تحليل دولي واسع نشرته مجلة “ذا لانسيت أونكولوجي” وشمل بيانات من 50 دولة وإقليما، ارتفاع معدلات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم المبكر في 27 دولة.
وفي 20 دولة، كان الارتفاع مقتصرا على الفئات الأصغر سنا أو أسرع لديها مقارنة بكبار السن.
وفي الولايات المتحدة، تشير بيانات الجمعية الأمريكية للسرطان لعام 2026 إلى ارتفاع معدل الإصابة لدى من تقل أعمارهم عن 50 عاما بنحو 2.9% سنويا بين عامي 2013 و2022، في وقت واصلت فيه معدلات الإصابة الانخفاض لدى الفئات الأكبر سنا.
الجينات لا تفسر كل شيء
عند تشخيص السرطان لدى شخص في الثلاثينيات أو الأربعينيات، تكون العوامل الوراثية من أول الاحتمالات التي يجري التفكير فيها.
وهناك بالفعل متلازمات وراثية، مثل متلازمة لينش، ترفع خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم في سن مبكرة.
لكن العوامل الوراثية لا تفسر معظم الحالات.
وتشير مراجعة علمية نشرت في “نيتشر ريفيوز ديزيز برايمرز” إلى إمكانية اكتشاف متلازمة وراثية لدى نحو 20% من مرضى سرطان القولون والمستقيم المبكر، بينما لا يظهر لدى الغالبية استعداد وراثي معروف يفسر الإصابة.
كما أن الجينات البشرية لم تتغير خلال العقود القليلة الماضية بالسرعة التي تفسر الارتفاع الحالي، لذلك اتجهت الأبحاث إلى عوامل أخرى، مثل الغذاء ونمط الحياة والسمنة والتمثيل الغذائي وميكروبيوم الأمعاء والتعرضات البيئية.
هل يبدأ الخطر قبل ظهور المرض بسنوات؟
من أبرز الملاحظات التي يدرسها الباحثون ما يعرف بـ”تأثير جيل الميلاد”.
فقد ظهر ارتفاع في خطر الإصابة لدى الأجيال التي ولدت منذ النصف الثاني من القرن العشرين، واستمر هذا الاتجاه مع تقدم هذه الأجيال في العمر.
وهذا يفتح الباب أمام سؤال مختلف: ربما لا يكون ما حدث خلال السنوات القليلة السابقة لتشخيص السرطان هو العامل الوحيد، بل قد تكون بعض المؤثرات التي تعرض لها الإنسان خلال طفولته ومراهقته وبداية شبابه جزءا من القصة.
فخلال العقود الماضية تغير النظام الغذائي، وازدادت السمنة في أعمار أصغر، وتراجع النشاط البدني، واتسع استخدام المضادات الحيوية، كما تغيرت البيئة التي يتشكل فيها ميكروبيوم الأمعاء.
ومن المحتمل أيضا أن تكون هناك تعرضات بيئية وغذائية أخرى لم تتضح آثارها بالكامل بعد.
السمنة والاضطرابات الأيضية تحت المجهر
تزامن ارتفاع سرطان القولون والمستقيم لدى الشباب مع انتشار السمنة والسكري من النوع الثاني واضطرابات التمثيل الغذائي.
فالسمنة لا تعني زيادة الدهون فقط، بل قد ترافقها مقاومة للإنسولين وارتفاع مستوياته والتهاب مزمن منخفض الدرجة وتغيرات في عوامل النمو ووظائف المناعة، وهي ظروف قد تؤثر في نمو الخلايا وتحولها.
وتشير الدراسات الوبائية إلى وجود ارتباط بين السمنة وخطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم المبكر.
كما وجدت مراجعة منهجية حديثة أن السمنة ارتبطت بزيادة خطر المرض بنحو 45%، مع مؤشرات على أهمية زيادة الوزن خلال المراهقة وبداية مرحلة البلوغ.
وبالنسبة إلى سرطان القولون والمستقيم عموما، توجد أدلة قوية على ارتباط اللحوم المصنعة بزيادة الخطر، في حين ترتبط الألياف والحبوب الكاملة بانخفاضه، كما يرتبط النشاط البدني بفوائد وقائية.
أما الأغذية فائقة التصنيع، فقد ربطت بها دراسات رصدية كبيرة زيادة خطر الإصابة لدى بعض الفئات، لكن هذه النتائج لا تثبت وحدها أنها السبب المباشر للمرض. ووجدت دراسة لدى النساء أيضا ارتباطا بين ارتفاع استهلاك المشروبات المحلاة بالسكر، خصوصا خلال المراهقة، وزيادة خطر سرطان القولون والمستقيم المبكر، مع بقاء هذه النتائج ضمن حدود الدراسات الرصدية التي لا تثبت السببية.
بكتيريا الأمعاء تدخل دائرة الاشتباه
يعيش في الأمعاء مجتمع ضخم من الكائنات الدقيقة التي تتفاعل باستمرار مع الطعام والجهاز المناعي والخلايا المبطنة للقولون.
ولهذا يدرس العلماء منذ سنوات احتمال ارتباط اختلال هذا المجتمع بظهور سرطان القولون والمستقيم.
وفي دراسة نشرت في مجلة “نيتشر” عام 2025، حلل الباحثون جينومات 981 ورما من 11 دولة، بحثا عن بصمات طفرية يمكن أن تكشف التعرض لعوامل تسبب تلف الحمض النووي.
ووجد الباحثون بصمتين طفيليتين تعرفان باسم SBS88 وID18، ترتبطان بمادة “الكوليباكتين”، وهي مادة سامة للجينات تنتجها بعض سلالات بكتيريا الإشريكية القولونية الموجودة في الأمعاء.
وكانت هذه البصمات أكثر شيوعا بنحو 3.3 مرات لدى الأشخاص الذين شُخصوا بالسرطان قبل سن الأربعين مقارنة بمن شُخصوا بعد سن السبعين.
كما بدا أن الضرر المرتبط بالكوليباكتين حدث في مرحلة مبكرة من تطور الورم، وارتبط بطفرات في جين APC، أحد الجينات المهمة في بداية تحول خلايا القولون الطبيعية إلى خلايا سرطانية.
وأظهرت دراسة أخرى نشرت في “نيتشر جينيتكس” في أغسطس 2026، وشملت مرضى بسرطان القولون والمستقيم في اليابان، أن البصمات الطفرية المرتبطة بالكوليباكتين كانت أكثر شيوعا لدى الأشخاص المولودين بعد ستينيات القرن الماضي.
لكن هذه النتائج لا تعني أن الإشريكية القولونية تسبب السرطان بصورة مباشرة، ولا أن كل شخص يحمل سلالة منتجة للكوليباكتين سيصاب بالمرض. كما أن الكوليباكتين لا يفسر وحده ارتفاع معدلات السرطان بين الشباب.
ومع ذلك، تقدم هذه النتائج دليلا بيولوجيا قابلا للقياس على وجود صلة محتملة بين بعض بكتيريا الأمعاء والتغيرات الجينية التي قد ترتبط بظهور السرطان في سن مبكرة.
ماذا عن المضادات الحيوية؟
أثار ذلك سؤالا آخر حول العوامل التي قد تغير ميكروبيوم الأجيال الحديثة. وتحتل المضادات الحيوية موقعا ضمن الأبحاث، لأنها تستطيع تغيير تركيب البكتيريا الموجودة في الأمعاء، خصوصا عند استخدامها في سن مبكرة أو بصورة متكررة.
وقد وجدت بعض الدراسات ارتباطا بين استخدام المضادات الحيوية وسرطان القولون والمستقيم المبكر، لكن الأدلة الحالية لا تثبت أن المضادات الحيوية تسبب المرض، إذ توجد عوامل أخرى يمكن أن تؤثر في هذه العلاقة.
لذلك لا يوجد ما يبرر الامتناع عن مضاد حيوي يحتاج إليه المريض طبيا، وإنما تؤكد هذه النتائج أهمية استخدام المضادات الحيوية عند الحاجة الطبية فقط.
لا يوجد سبب واحد للمرض
من غير المرجح أن يكشف العلماء عن عامل واحد يفسر ارتفاع سرطان القولون والمستقيم بين الشباب. والأقرب أن المرض ينتج عن تفاعل طويل الأمد بين عوامل متعددة، تشمل الاستعداد الوراثي والغذاء والسمنة والتمثيل الغذائي والنشاط البدني والتدخين والكحول وميكروبيوم الأمعاء، إلى جانب عوامل بيئية أخرى لم تتضح بعد.
وقد تختلف هذه المسارات من شخص إلى آخر؛ فقد يصاب شخص شاب يعاني السمنة والسكري، بينما يصاب آخر يتمتع بوزن طبيعي ونشاط بدني جيد، في حين يحمل ثالث طفرة وراثية واضحة. والنتيجة واحدة، لكن الطريق البيولوجي إليها قد يكون مختلفا.
المشكلة الأخرى: تأخر التشخيص
لا تتعلق المشكلة بأسباب المرض فقط، بل أيضا بسرعة اكتشافه. فالشخص في الثلاثينيات قد يفسر وجود الدم في البراز على أنه بواسير، أو ينسب ألم البطن إلى القولون العصبي، أو يربط تغير عادات التبرز بالنظام الغذائي. كما قد يكون السرطان أقل حضورا في التشخيصات الأولية بسبب صغر سن المريض.
وأظهرت مراجعة منهجية وتحليل تلوي شمل 81 دراسة وأكثر من 24.9 مليون شخص دون سن الخمسين، أن أبرز الأعراض لدى المصابين بسرطان القولون والمستقيم المبكر كانت النزف مع البراز، وألم البطن، وتغير عادات التبرز.
كما كان تأخر التشخيص شائعا، ووصل في كثير من الحالات إلى نحو 4–6 أشهر بعد ظهور الأعراض.
لذلك فإن وجود دم متكرر في البراز، أو فقر دم ناتج عن نقص الحديد دون تفسير واضح، أو تغير مستمر في عادات التبرز، أو ألم بطني متواصل، أو فقدان وزن غير مبرر، يستدعي تقييما طبيا بغض النظر عن العمر.
هل يحتاج الشباب إلى تنظير القولون؟
ليس بالضرورة.
فارتفاع معدل الإصابة بين الشباب لا يعني أن إجراء تنظير القولون لكل شخص صغير السن أمر مبرر.
لكن تزايد الحالات دفع بعض الدول إلى خفض سن بدء الفحص. وفي تحديثها لعام 2026، أكدت الجمعية الأمريكية للسرطان توصيتها ببدء الفحص المنتظم للأشخاص ذوي الخطورة المتوسطة عند سن 45 عاما.
وقد يتم الفحص باستخدام اختبارات البراز أو تنظير القولون أو وسائل أخرى معتمدة، بحسب النظام الصحي وحالة الشخص.
أما من لديهم تاريخ عائلي قوي للمرض، أو متلازمة وراثية مثل متلازمة لينش، أو أمراض التهابية مزمنة في الأمعاء، فقد يحتاجون إلى بدء المتابعة في سن أصغر.
ما الذي يمكن فعله؟
رغم أن العلماء لم يصلوا بعد إلى تفسير كامل لارتفاع سرطان القولون والمستقيم المبكر، فإن الأدلة المتاحة تدعم عددا من الإجراءات الصحية المعروفة.
ومن بينها الحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام، وتناول نظام غذائي غني بالخضراوات والبقول والحبوب الكاملة والألياف، وتقليل اللحوم المصنعة، والامتناع عن التدخين، وتقليل الكحول أو تجنبه.
والرسالة الأهم هي أن سرطان القولون والمستقيم ما يزال أقل شيوعا بكثير لدى الشباب، لذلك لا ينبغي أن يتحول ارتفاع معدلاته إلى مصدر للهلع.
لكن صغر السن لم يعد سببا كافيا لاستبعاد المرض عند ظهور أعراض مقلقة.
ولا تزال الأبحاث تحاول الإجابة عن سؤال أوسع: ما الذي تغير في بيئة الأجيال الحديثة، منذ الطفولة، في الغذاء والتمثيل الغذائي وميكروبيوم الأمعاء، بحيث أصبحت خلايا القولون أكثر عرضة للتحول السرطاني في سن مبكرة؟
لا يملك العلم الإجابة الكاملة حتى الآن، لكنه يقترب منها خطوة بعد أخرى.
الجزيرة



