اقتصاد

السوق الأميركية تفتح أبوابها.. هل تستطيع الصادرات السورية دخولها؟

يفتح التقارب الاقتصادي بين سورية والولايات المتحدة المجال أمام الصادرات السورية للوصول إلى السوق الأميركية، كما قد يوفر فرصة لجذب التكنولوجيا والخبرات ورؤوس الأموال الأميركية.
لكن إزالة القيود القانونية لا تعني تلقائيًا قدرة المنتجات السورية على المنافسة في سوق كبيرة تتطلب مستويات مرتفعة من الجودة والإنتاجية.
ويقول الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم لـ«الوطن» إن رفع العقوبات الشاملة في تموز 2025، وإلغاء قانون قيصر في كانون الأول من العام نفسه، وشطب سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب في آب 2026، أزالت جزءًا كبيرًا من العوائق القانونية، إلا أن إزالة هذه القيود لا تكفي وحدها لإنشاء قاعدة إنتاجية قادرة على المنافسة عالميًا.
فجوة كبيرة في الميزان التجاري
تكشف الأرقام حجم التحدي أمام الاقتصاد السوري.
فقد بلغت الصادرات السورية نحو 1.11 مليار دولار عام 2024، مقابل واردات قاربت 3.87 مليارات دولار، أي بعجز تجاري يقترب من 2.8 مليار دولار.
ويمثل هذا العجز نحو 13% من الناتج المحلي، الذي يقدر بنحو 20 إلى 22 مليار دولار.
وتعني هذه الأرقام أن الصادرات لا تغطي سوى أقل من 30% من قيمة الواردات، فيما تستورد سورية ما يقارب 3.5 دولارات مقابل كل دولار من الصادرات.
وتعكس حركة الموانئ صورة مشابهة، إذ يدخل عبر طرطوس واللاذقية نحو 300 ألف طن من البضائع شهريًا، مقابل قرابة 52 ألف طن من الصادرات، أي نحو ستة أطنان تدخل البلاد مقابل كل طن يخرج منها.
الحضور السوري في السوق الأميركية محدود
رغم الانفتاح الجديد، لا تزال السوق الأميركية محدودة الحضور في التجارة السورية.
فقد بلغت قيمة الواردات الأميركية من سورية نحو 11 مليون دولار فقط عام 2024، أي أقل من 1% من إجمالي الصادرات السورية، وكان من أبرز بنودها التحف والتوابل.
وفي الاتجاه المقابل، لم تتجاوز الصادرات الأميركية إلى سورية 5.5 ملايين دولار خلال عام 2025.
وتتركز الصادرات السورية حاليًا في عدد محدود من الأسواق، إذ تستحوذ تركيا على نحو 39% منها، والسعودية على 16%، ولبنان على 12%، ما يعني أن قرابة ثلثي الصادرات تتجه إلى ثلاث دول فقط.
أما من ناحية الرسوم، فقد كانت التعرفة الأميركية على السلع السورية قد وصلت إلى 41%، قبل إلغائها بقرار المحكمة العليا في شباط 2026 واستبدالها برسم مؤقت يبلغ 10%.
ولهذا، يرى عبد الكريم أن الولايات المتحدة لن تتحول على الأرجح في المدى القريب إلى سوق تصديرية رئيسية للمنتجات السورية، بينما تكمن أهميتها بصورة أكبر في التكنولوجيا ورأس المال والخبرات والمعايير الإنتاجية.
ما الذي تحتاجه الصادرات السورية؟
الاستفادة من الانفتاح على السوق الأميركية تتطلب، بحسب عبد الكريم، قدرة إنتاجية مستقرة، ومنتجات ذات جودة وشهادات معترف بها، إضافة إلى طاقة كهربائية بتكلفة مناسبة، ومصارف قادرة على تمويل التجارة وتنفيذ التحويلات، وسعر صرف أكثر استقرارًا.
وتبرز هنا عقبتان رئيسيتان.
الأولى هي تكلفة الكهرباء، إذ يبلغ سعر إنتاج الكيلوواط الساعي نحو 0.14 دولار، بينما يدفع المصنع الكبير قرابة 1800 ليرة للكيلوواط الساعي، أي ما يقارب 0.16 دولار، وهي تكلفة مرتفعة مقارنة بالعديد من المنافسين في المنطقة.
أما الثانية فتتعلق بالقطاع المصرفي، إذ لا تزال سورية على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي منذ عام 2010، الأمر الذي يعني خضوع التحويلات لمستويات إضافية من التدقيق، بما قد يرفع تكلفة تمويل التجارة ويزيد مدة إنجازها.
قطاعات يمكنها المنافسة
يرى عبد الكريم أن القطاعات التصديرية الأكثر واقعية تتركز في عدد محدود من المنتجات، يأتي في مقدمتها زيت الزيتون الذي تتجاوز قيمته 300 مليون دولار، أي قرابة ربع الصادرات، إلى جانب التوابل والكمون والمنتجات الغذائية والفوسفات.
ويمكن أن ترتفع القيمة المضافة لهذه المنتجات إذا انتقلت من تصدير المواد الخام أو السلع السائبة إلى المنتجات المعبأة ذات العلامات التجارية، أو تحويل الفوسفات الخام إلى أسمدة ومنتجات أكثر تصنيعًا.
أما الخدمات الرقمية، فتملك ميزة إضافية لأنها لا تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة أو الموانئ، ما يجعلها من المجالات الأقرب نظريًا إلى السوق الأميركية.
في المقابل، قد تكون الأسواق الإقليمية أقرب وأكثر واقعية أمام قطاعات مثل النسيج والدواء، بحكم قربها الجغرافي وتكاليف النقل.
الخطر: أن تسبق الواردات الصادرات
يحذر عبد الكريم من احتمال أن تتوسع الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات. فاستيراد السيارات والأجهزة والسلع الاستهلاكية يمكن أن يتم خلال أسابيع، بينما يحتاج إنشاء مصنع ورفع قدرته الإنتاجية إلى سنوات.
وقد يؤدي ذلك إلى زيادة العجز التجاري والطلب على الدولار، خصوصًا أن تحسن الليرة وتراجع التضخم من 72% عام 2024 إلى نحو 11.5% عام 2025 قد يتعرضان للضغط إذا استحوذت الواردات الاستهلاكية على جزء كبير من التدفقات المالية الداخلة.
لذلك، لا يرتبط السؤال فقط بحجم ما ستستورده سورية، وإنما بطبيعة هذه الواردات.
فالسلع الاستهلاكية تستنزف العملات الأجنبية، بينما يمكن للآلات وخطوط الإنتاج أن تتحول إلى استثمار يساهم لاحقًا في زيادة الإنتاج والصادرات.
كما أن نقل التكنولوجيا لا يعني مجرد استيراد المعدات، بل يتطلب امتلاك الكوادر القادرة على تشغيلها وصيانتها وتطويرها محليًا.
مذكرات التفاهم لا تعني استثمارات منفذة
وفي ملف الاستثمار الأجنبي، يشير عبد الكريم إلى وجود فجوة بين قيمة الاتفاقيات المعلنة وحجم الأموال التي دخلت فعليًا إلى الاقتصاد.
فقد تجاوزت قيمة مذكرات التفاهم المعلنة حتى خريف 2025 نحو 25 مليار دولار، في حين لم يتجاوز إجمالي الإنفاق الاستثماري الحكومي خلال الفترة بين 2010 و2024 نحو 16.6 مليار دولار.
وتعني المقارنة أن قيمة التعهدات المعلنة خلال فترة قصيرة تجاوزت ما أنفقته الدولة استثماريًا خلال 14 عامًا، لكن هذه الأرقام لا تمثل أموالًا دخلت بالفعل، بل تعكس نيات واتفاقيات ومشروعات معلنة.
ومن ثم، فإن المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون قيمة مذكرات التفاهم، وإنما حجم الاستثمارات التي تتحول فعليًا إلى مصانع ومشروعات وإنتاج وفرص عمل وصادرات.
الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى