اقتصاد

الاستثمارات الأميركية في الطاقة السورية.. هل تقلل فاتورة الاستيراد؟

يتصدر قطاع الطاقة قائمة المجالات التي قد تستقطب استثمارات أميركية في سورية، خصوصًا مع الحاجة الكبيرة إلى زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. لكن تحويل الاتفاقيات الموقعة إلى مشاريع منتجة على الأرض لن يكون سريعًا، إذ يحتاج إلى تمويل ضخم ووقت كافٍ، إلى جانب بيئة مستقرة تتيح تنفيذ المشاريع واستمرارها.
ويقول الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم لـ«الوطن» إن قطاع الطاقة يمكن أن يشكل بوابة سريعة لدخول الشركات الأميركية إلى السوق السورية، إلا أن حجم الاستثمارات المطلوبة يجعل الوصول إلى نتائج ملموسة مرتبطًا بقدرة هذه الشركات على الانتقال من مرحلة الاتفاقيات إلى مرحلة الإنتاج.
وبحسب عبد الكريم، فإن الطاقة قد تكون الأسرع من حيث جذب اهتمام الشركات وتوقيع الاتفاقيات، لكنها ليست بالضرورة الأسرع في تحقيق نتائج اقتصادية مباشرة.
فجوة كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك
بلغ إنتاج سورية من النفط خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 14.8 مليون برميل، أي ما يقارب 82 ألف برميل يوميًا، وهو مستوى يقل بنحو 79% عن الإنتاج الذي كان يسجل قبل الحرب، والمقدر بنحو 380 ألف برميل يوميًا.
في المقابل، يصل الاستهلاك المحلي إلى نحو 124 ألف برميل يوميًا، ما يعني وجود فجوة تقارب 42 ألف برميل يوميًا يجري تغطيتها من خلال الاستيراد.
ومع وصول سعر خام برنت إلى حدود 100 دولار للبرميل، وارتفاعه بنحو 56% خلال عام بفعل اضطرابات منطقة الخليج، فإن تكلفة هذه الفجوة تقترب من 1.5 مليار دولار سنويًا.
ولا يختلف الوضع كثيرًا في قطاع الغاز، إذ يقدر الإنتاج المحلي بنحو 8 ملايين متر مكعب يوميًا، بينما تستورد سورية قرابة 3.4 ملايين متر مكعب يوميًا من أذربيجان عبر تركيا، إضافة إلى نحو 4 ملايين متر مكعب عبر الأردن، وسط تأثر الإمدادات بالتطورات الأمنية في المنطقة وارتفاع تكاليفها.
الكهرباء.. فجوة إنتاجية واسعة
تظل الكهرباء من أبرز نقاط الضعف في منظومة الطاقة السورية. فحاجة البلاد تقدر بنحو 10 آلاف ميغاواط، في حين يتراوح الإنتاج الفعلي حاليًا بين 2000 و3000 ميغاواط، أي ما يعادل نحو 20 إلى 30% من الحاجة.
ويأتي ذلك مقارنة بإنتاج كان يصل إلى نحو 9500 ميغاواط قبل الحرب.
ورغم تحسن التغذية الكهربائية من نحو ساعتين يوميًا إلى قرابة ثماني ساعات، فإن الهدف المعلن يتمثل في الوصول إلى 14 ساعة يوميًا.
وتشير التقديرات إلى أن قطاع الكهرباء يتكبد خسائر تقارب مليار دولار سنويًا، في ظل وصول تكلفة إنتاج الكيلوواط الساعي إلى نحو 0.14 دولار، مقابل بيعه في الشريحة الأولى بنحو 0.055 دولار، ما يعني أن الدعم يغطي قرابة 60% من التكلفة.
وفي سياق متصل، قدر البنك الدولي احتياجات إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، بينها 82 مليار دولار مخصصة للبنية التحتية.
شركات أميركية تدخل قطاع الطاقة
بدأت شركات أميركية كبرى الدخول إلى قطاع الطاقة السوري عبر مجموعة من الاتفاقيات، إلا أن توقيع الاتفاق لا يعني بالضرورة بدء الإنتاج بشكل فوري.
فقد وقعت شركة «شيفرون» مذكرة تفاهم لتطوير أول حقل غاز بحري، فيما تشير التقديرات إلى أن الوصول إلى مرحلة إنتاج الغاز قد يحتاج إلى نحو أربع سنوات.
كما أبرمت «كونوكو فيليبس» اتفاقًا لتطوير حقول غاز برية، مع استهداف زيادة الإنتاج بنحو 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يوميًا خلال عام من بدء التنفيذ، وهو ما يعادل تقريبًا 50 إلى 60% من الإنتاج الحالي.
وفي مشروع آخر، يستهدف اتفاق سعودي مع شركة «أديس» رفع إنتاج الغاز في حمص بنسبة 25% خلال ستة أشهر، وبنسبة تصل إلى 50% بحلول منتصف عام 2027.
أما قطاع الكهرباء، فيتضمن اتفاق مجموعة UCC القطرية، البالغة قيمته نحو 7 مليارات دولار، إنشاء أربع محطات بقدرة إجمالية تصل إلى 4000 ميغاواط، إلى جانب 1000 ميغاواط من الطاقة الشمسية.
وفي حال اكتمال المشروع، فإن قدرات التوليد ستتضاعف بنحو مرتين ونصف مقارنة بالمستوى الحالي، فيما بدأت الأعمال في أولى المحطات بقدرة 1000 ميغاواط في ريف حماة.
كم يمكن أن توفر زيادة الإنتاج؟
يقدم عبد الكريم مثالًا حسابيًا لتوضيح أثر زيادة إنتاج النفط على فاتورة الاستيراد.
فإذا ارتفع الإنتاج بمقدار 50 ألف برميل يوميًا، فإن الزيادة السنوية ستبلغ نحو 18.25 مليون برميل.
وتصل قيمة هذه الكمية إلى نحو 1.28 مليار دولار عند احتساب سعر البرميل بـ70 دولارًا، وترتفع إلى نحو 1.83 مليار دولار عند سعر 100 دولار.
لكن هذا الرقم يمثل وفرًا نظريًا وليس ربحًا صافيًا، إذ إن دخول شريك أجنبي يعني اقتسام العوائد. فإذا بلغت حصة الشريك 40%، على سبيل المثال، وتولت الدولة شراء حصته بالدولار، فإن الوفر الفعلي قد ينخفض إلى نحو 1.1 مليار دولار، قبل احتساب تكاليف التشغيل والتمويل.
كما أن جزءًا من الواردات السورية يتمثل بمشتقات نفطية مكررة، وهي أعلى سعرًا من النفط الخام، ما يجعل الحساب النهائي أكثر تعقيدًا.
أما الغاز، فإن زيادة الإنتاج بنحو 4 ملايين متر مكعب يوميًا تعادل قرابة 1.46 مليار متر مكعب سنويًا، ويمكن أن تحقق وفرًا تقديريًا يصل إلى نحو 500 مليون دولار وفق افتراض سعر استيراد يبلغ 10 دولارات للوحدة الحرارية.
والأهم أن هذه الكمية قد تكفي لتوليد نحو 1000 ميغاواط من الكهرباء، أي ما يقارب نصف الإنتاج الحالي للبلاد.
تقليص فاتورة الطاقة لا يعتمد على الإنتاج فقط
لا يرتبط خفض فاتورة الطاقة بزيادة الإنتاج وحدها، وفق عبد الكريم، إذ يمكن لتحسين كفاءة الشبكات وتقليل الهدر أن يحقق وفورات كبيرة من دون إنشاء محطات جديدة.
فإذا بلغ متوسط التوليد 2500 ميغاواط على مدار العام، فإن خفض الهدر في الشبكة بمقدار عشر نقاط مئوية يمكن أن يوفر نحو 2.2 مليار كيلوواط ساعي سنويًا، بقيمة تقترب من 300 مليون دولار وفق سعر التكلفة.
ولهذا تبدو إعادة تأهيل الآبار القائمة، وتطوير حقول الغاز البرية، وصيانة محطات التوليد، والتوسع في الطاقة الشمسية، من الإجراءات التي يمكن أن تظهر نتائجها خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وعام.
في المقابل، تحتاج الحقول الجديدة ومحطات الطاقة الكبرى إلى فترات أطول قد تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات، فيما تبقى سرعة التنفيذ مرتبطة بعوامل عدة، أبرزها الاستقرار الأمني، وضوح الضمانات، وقدرة المستثمر على تحويل عوائده.
التحدي الحقيقي: تحويل الاتفاقيات إلى إنتاج
تكشف أرقام قطاع الطاقة أن أهمية الاستثمارات لا تقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل سورية، بل بقدرتها الفعلية على زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج.
فزيادة إنتاج النفط والغاز يمكن أن تخفف فاتورة الاستيراد، بينما يساعد تطوير محطات الكهرباء والشبكات على تحسين كفاءة استخدام الطاقة وتقليل الهدر.
وبينما قد تحقق بعض المشاريع نتائج خلال أشهر، تحتاج مشاريع أخرى إلى سنوات قبل دخولها مرحلة الإنتاج، ما يجعل التحدي الأساسي أمام قطاع الطاقة السوري هو تحويل الاتفاقيات والاستثمارات المعلنة إلى مشاريع منتجة تنعكس فعليًا على فاتورة الطاقة والاقتصاد.
الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى