اقتصاد

أنقاض الحرب في سورية.. فرصة ضائعة أم مورد استراتيجي لإعادة الإعمار؟

مع بدء سورية خطواتها الأولى نحو إعادة الإعمار، تقف جبال الركام المنتشرة في مدن كحلب وحمص وريف دمشق كشاهد ثقيل على سنوات الحرب، لكنها تحمل في طيّاتها فرصة نادرة لتحويل الدمار إلى أساس للبناء المستدام.
من المخلفات إلى مواد بناء: إمكانيات واعدة لتدوير الأنقاض
بحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تواجه سورية أكثر من 50 مليون طن من الأنقاض المتنوعة، من بقايا الخرسانة والحديد الملتوي إلى الأخشاب المحترقة والطوب المكسّر. ويُجمع خبراء البيئة والبناء على أن هذه الكميات الضخمة يمكن إعادة تدويرها لاستخدامها في إنشاء الطرق والبنى التحتية، ما يخفف من الاعتماد على الاستيراد ويوفر ملايين الدولارات في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية.
غياب التنظيم يحوّل المورد إلى عبء
رغم الإمكانات الكامنة، لا يزال التعامل مع الأنقاض في سورية يتم بعشوائية، حيث تُرمى في مكبات غير نظامية أو تُستخدم كردميات دون فرز أو معالجة، مما يشكل خطراً بيئياً وصحياً ويهدر موارد ثمينة.
ورغم بدء بعض البلديات، بالتعاون مع شركات محلية ومنظمات دولية، تنفيذ مشاريع تجريبية لإعادة التدوير، إلا أن حجم المبادرات لا يزال محدودًا مقارنة بالاحتياجات.
ويقول أحد المهندسين العاملين في هذا المجال:
“لدينا خبرات فنية، لكننا بحاجة إلى تشريعات واضحة، دعم مالي، ومعدات حديثة… الإرادة السياسية وحدها يمكن أن تُحدث الفارق.”
عوائق تحول دون الاستفادة من الركام
عدة تحديات رئيسية تعرقل تدوير الأنقاض وتحويلها إلى مورد فعّال، أبرزها:
ضعف البنية التحتية لمعالجة المخلفات.
غياب القوانين التي تنظّم استخدام المواد المعاد تدويرها.
نقص الكوادر المتخصصة في تقنيات التدوير الحديثة.
احتواء الأنقاض على مواد سامة مثل الأسبستوس والدهانات.
غياب التمويل الحكومي والدعم من القطاع الخاص.
ورغم هذه العوائق، تُظهر الدراسات أن إعادة تدوير الأنقاض توفر ما بين 30% إلى 60% من كلفة استخدام مواد جديدة، خاصة في المناطق التي يصعب إيصال مواد البناء إليها.
دروس من تجارب عالمية: من تحت الركام تبدأ النهضة
دول عدة نجحت في تحويل الأنقاض إلى ركيزة لإعادة الإعمار:
ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث لعبت “نساء الركام” دوراً كبيراً في فرز الأنقاض يدوياً، ما ساهم في بناء مدن كاملة من جديد.
لبنان عقب حرب 2006، أعادت استخدام أنقاض الضاحية الجنوبية في مشاريع الطرق.
العراق الذي اعتمد في بعض مناطقه على إعادة تدوير الركام بنسبة وصلت إلى 80%.
وفي جميع هذه التجارب، كان للدولة دور تنظيمي محوري، مع دعم مالي وتقني من مؤسسات دولية.
أبعاد إنسانية وبيئية لتدوير الأنقاض
القضية ليست فنية فقط، بل تمس البيئة والصحة العامة:
تراكم الأنقاض في الأحياء السكنية يهدد الصحة العامة ويؤخر عودة السكان.
وجود مواد سامة في الركام يجعل معالجته ضرورة إنسانية عاجلة.
إزالة الركام يُعيد الحياة للأسواق والمدارس والمرافق العامة.
خلاصة: بناء المستقبل من بقايا الماضي
سورية اليوم بحاجة ماسة إلى رؤية وطنية متكاملة لإدارة أنقاض الحرب، تستند إلى:
إرادة سياسية حقيقية تدعم التدوير.
قوانين تنظّم وتُجيز استخدام المواد المعاد تدويرها.
شراكات دولية تقدم تمويلاً وخبرات فنية.
تحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في التدوير.
حملات توعية مجتمعية حول أهمية تحويل الركام إلى مورد تنموي.
فالبناء لا يبدأ دائماً من الصفر.. بل أحياناً، يبدأ من تحت الأنقاض.
الاقتصاد اليوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى