تدير منصتها العائمة شركة أمريكية.. هذا ما نعرفه عن منشأة دمياط التي استهدفت اليوم

في تطور أمني خطير، تعرضت منشأة الغاز المسال في دمياط بمصر لهجوم بطائرات مسيرة استهدف سفينتين راسيتين في المنطقة، مما أثار مخاوف واسعة حول أمن البنية التحتية للطاقة في البلاد. وتُعد هذه المنشأة واحدة من أهم المواقع الاستراتيجية في مصر، حيث تدير المنصة العائمة فيها شركة أمريكية، وتلعب دوراً محورياً في سلسلة إمدادات الغاز الطبيعي المسال، سواء للاستهلاك المحلي أو للتصدير.
يمثل هذا الهجوم تطوراً خطيراً في سياق التوترات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، ويسلط الضوء على هشاشة المنشآت الحيوية أمام التهديدات غير التقليدية، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على الغاز الطبيعي كمصدر رئيسي للطاقة في مصر وفي العديد من دول العالم.
نشأة المنشأة: باكورة مشروعات الغاز المسال في مصر
بدأ التشغيل الرسمي لمنشأة دمياط للغاز المسال في مطلع عام 2005، لتكون أول مشروع من نوعه في مصر في مجال إسالة وتصدير الغاز الطبيعي. في بدايتها، اعتمدت المنشأة على استقبال كميات من الغاز المستخرج من حقول قبرص، حيث كانت تُستورد الشحنات من الخارج، ثم تُعاد تجهيزها وإسالتها لضخها في الشبكة المصرية أو تصديرها إلى الأسواق العالمية.
وكانت المنشأة تمتلك منصة عائمة واحدة، وهي سفينة مخصصة لاستقبال الغاز المسال من الناقلات، وإعادة تحويله إلى غاز طبيعي يمكن ضخه عبر الأنابيب. وقد ساهمت هذه المنصة في تعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي لتداول الغاز، قبل أن تتوقف المنشأة عن العمل في عام 2012 بسبب نزاع طويل الأمد بشأن الإمدادات بين الحكومة المصرية وشركة “يونيون فينوسا” للغاز.
العودة إلى العمل: شراكة استراتيجية تعيد الحياة للمنشأة
بعد توقف دام نحو عقد من الزمن، عادت منشأة دمياط إلى العمل في عام 2021، بفضل شراكة استراتيجية بين الشركة القابضة للغازات الطبيعية “إيجاس” وشركة إيني الإيطالية، خاصة بعد اكتشاف حقل ظهر للغاز، الذي عزز قدرات مصر في مجال الإنتاج والتصدير. وقد أسهمت هذه الشراكة في إعادة تأهيل المنشأة وتحديث معداتها، لتستأنف دورها الحيوي في تلبية احتياجات السوق المحلية وتعزيز الصادرات المصرية من الغاز المسال.
وتمتلك المنشأة قدرة معالجة تصل إلى نحو 5 ملايين طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال، مما يجعلها واحدة من أكبر المنشآت من نوعها في المنطقة، وقادرة على تلبية الطلب المتزايد على الغاز في الأسواق المحلية والعالمية.
اتفاقية 2025: شراكة أمريكية لتشغيل وحدة التخزين العائمة
في خطوة تعكس عمق التعاون المصري الأميركي في قطاع الطاقة، أبرمت شركة “نيوفورتيريس للطاقة” الأمريكية، في عام 2025، اتفاقية مدتها خمس سنوات مع الشركة المصرية القابضة للغاز الطبيعي “إيجاس”، لتشغيل وحدة التخزين وإعادة تزويد الغاز العائمة “إنيرجوس وينتر”. وتعد هذه الاتفاقية نقلة نوعية في استراتيجية مصر لتأمين إمداداتها من الغاز، حيث ستساهم الوحدة العائمة الثانية في تعزيز قدرات المنشأة وضمان استمرارية التدفق الغازي.
وبموجب الاتفاقية، ستتولى شركة نيوفورتيريس تشغيل وحدة “إنيرجوس وينتر” في دمياط، لضمان إمدادات الغاز في أنحاء مصر لمدة خمس سنوات، مما يعزز أمن الطاقة الوطني ويقلل من الاعتماد على الواردات الخارجية.
من هي نيوفورتيريس للطاقة؟ عملاق أميركي في البنية التحتية للغاز
تُعد شركة نيوفورتيريس للطاقة واحدة من أبرز الشركات العالمية المتخصصة في البنية التحتية للطاقة، وهي مسجلة في بورصة ناسداك الأمريكية، وتمتلك أسطولاً متكاملاً من السفن والأصول اللوجستية لتوفير حلول طاقة متكاملة للأسواق العالمية. وتشمل أعمالها تملك وتشغيل البنية التحتية للغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال، بالإضافة إلى تقديم خدمات التخزين وإعادة التحويل.
وتعزز الشراكة مع نيوفورتيريس من مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة، وتوفر للبلاد حلولاً مرنة لتأمين إمدادات الغاز، خاصة في أوقات الطلب المرتفع أو في حالات الطوارئ التي قد تؤثر على الإنتاج المحلي.
الهجوم على المنشأة: تهديد لأمن الطاقة الإقليمي
يمثل الهجوم الذي استهدف سفينتين في منشأة دمياط تطوراً خطيراً يهدد استقرار قطاع الطاقة في مصر والمنطقة بأكملها. فمنشآت الغاز الطبيعي المسال تعتبر أهدافاً حساسة لأي هجمات، نظراً لأهميتها الاستراتيجية وتأثير أي تعطيل فيها على الأسواق العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة في حال حدوث نقص في الإمدادات.
وقد أثار الهجوم مخاوف بشأن قدرة مصر على حماية بنيتها التحتية الحيوية، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، والتي قد تؤدي إلى تكرار مثل هذه الهجمات على منشآت أخرى. كما أن وجود شركة أمريكية تدير المنصة يضيف بُعداً دولياً للهجوم، حيث قد يُنظر إليه على أنه استهداف للمصالح الأميركية في المنطقة.
مستقبل منشأة دمياط في ظل التحديات الأمنية
في ظل هذه التطورات، تواجه منشأة دمياط للغاز المسال تحديات كبيرة تتعلق بتعزيز إجراءات الأمن والسلامة، وحماية المنشأة من أي هجمات مستقبلية. ومن المتوقع أن تعمل السلطات المصرية، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، على تطوير خطط أمنية شاملة لتأمين المنشآت الحيوية، وتحديث أنظمة المراقبة والدفاع الجوي لمواجهة التهديدات بطائرات مسيرة وغيرها من الوسائل غير التقليدية.
في الوقت نفسه، تظل منشأة دمياط ركيزة أساسية في استراتيجية مصر للطاقة، حيث تساهم في تعزيز الأمن الوطني وتوفير فرص اقتصادية كبيرة من خلال صادرات الغاز المسال. ومع استمرار الاستثمارات في هذا القطاع، تبقى التحديات الأمنية هي العامل الأكثر تأثيراً على مستقبل هذه المنشأة الاستراتيجية.
أمن الطاقة في مواجهة التهديدات المتجددة
يُعد الهجوم على منشأة دمياط للغاز المسال تذكيراً قاسياً بأن أمن الطاقة أصبح يواجه تهديدات معقدة ومتطورة، تتطلب استجابة شاملة تدمج بين التدابير الأمنية والتكنولوجية والسياسية. وتؤكد هذه الحادثة أن حماية البنية التحتية الحيوية لم تعد مجرد مسؤولية محلية، بل أصبحت قضية تهم المجتمع الدولي بأسره، نظراً لتأثيرها المباشر على أسواق الطاقة العالمية.
ومع استمرار مصر في تعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة، يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين تطوير القطاع وحماية منشآته من أي تهديدات قد تعرقل مسيرة النمو والاستقرار في المنطقة.
عربي21



