أية مكاسب جنتها دمشق من وراء زيارة غوتيريش؟

في خطوة حملت دلالات سياسية عميقة، اختتم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش زيارته إلى سوريا، التي جاءت لتؤكد تحولاً مهماً في مسار التعامل الدولي مع دمشق. الزيارة، التي تعد الأولى من نوعها منذ عام 2009، لم تكن مجرد جولة بروتوكولية، بل حملت رسائل واضحة حول دعم الاستقرار وإعادة الإعمار، في وقت تواجه فيه سوريا مرحلة مفصلية من تاريخها.
لماذا جاءت زيارة غوتيريش الآن؟
يمثل توقيت الزيارة أحد أهم ملامحها، إذ تزامنت مع تحولات إقليمية ودولية تشهدها المنطقة. فبعد سنوات من الجمود السياسي، بدأت العواصم الغربية والعربية تعيد حساباتها تجاه الملف السوري، وهو ما تجسد في تحركات دبلوماسية متصاعدة خلال الأشهر الأخيرة.
ويرى المحلل السياسي السوري جمال رضوان أن الزيارة تعكس “نظرة جديدة” إلى سوريا، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة كانت تتعامل مع الملف السوري باعتباره أزمة معقدة عصية على الحل، لكنها اليوم تدرجه ضمن أولويات التعافي وإعادة الإعمار وتعزيز الحضور الدولي.
ماذا حملت الزيارة من مكاسب لدمشق؟
وفقاً لرضوان، فإن دمشق جنّت ثماراً مباشرة من هذه الزيارة، أبرزها:
- تأكيد دعم المؤسسات السورية في مسارها الجديد، مع الالتزام باحترام سيادة البلاد ووحدة أراضيها.
- تحول الدعم الأممي من الجانب الإنساني فقط إلى دعم الاستقرار والتنمية وإعادة الإعمار.
- مباركة التطورات القانونية والمؤسساتية، مثل تشكيل المحكمة الدستورية العليا ومجلس الشعب، ووصف الأمم المتحدة لهذه الخطوات بأنها “محطات بارزة على طريق ترسيخ الاستقرار”.
كما شدد غوتيريش خلال لقاءاته الميدانية على ضرورة تهيئة الظروف المناسبة لعودة اللاجئين والنازحين بشكل آمن وكريم، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته الأخلاقية في دعم جهود التعافي.
رسائل خاصة بشأن الجولان والاعتداءات الإسرائيلية
لم تقتصر الزيارة على دمشق، بل شملت أيضاً مقر قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان المحتل (أندوف)، وهي خطوة اعتبرها المحلل السياسي إبراهيم العلي “بالغة الأهمية”.
وأوضح العلي أن غوتيريش حرص على توجيه رسائل واضحة بشأن:
- ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على الأراضي السورية.
- التزام تل أبيب باتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
- الانسحاب من جميع الأراضي المحتلة في جنوب سوريا.
ويرى العلي أن هذه الزيارة عكست حرص الأمم المتحدة على ضمان الاستقرار في منطقة الفصل، وتنفيذ الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالجولان.
بين الدعم الدولي والتحديات الداخلية.. أين تكمن المعضلة؟
رغم الانفتاح الدولي الواضح، يُحذّر العلي من مغبة الركون إلى هذا الدعم دون معالجة القضايا الداخلية الجوهرية. ويشير إلى أن الحكومة السورية تواجه اختبارات صعبة تتعلق بـ:
- احتكار السلطة، وما قد يترتب عليه من توترات داخلية.
- ضرورة تجاوز الجراحات الوطنية التي خلفتها سنوات الصراع.
- بناء شراكة وطنية حقيقية تضم جميع المكونات السورية.
ويؤكد العلي أن الاستقرار المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا بمشاركة واسعة في السلطة وعودة الحياة السياسية، بعيداً عن نموذج الحزب الواحد الذي هيمن لعقود. ويختتم قائلاً: “الدعم الدولي اليوم قد يكون نفعياً أو آنياً، لكنه سيرتفع إذا لم تترسخ الوحدة الوطنية عبر شراكة حقيقية”.
ماذا بعد زيارة غوتيريش؟
تُعد زيارة الأمين العام للأمم المتحدة مؤشراً على تحول في الموقف الدولي تجاه سوريا، لكنها في الوقت نفسه تضع دمشق أمام مسؤولية مضاعفة: استثمار هذا الانفتاح دولياً، والعمل على بناء توافق وطني داخلي يضمن استدامة الاستقرار. السؤال الأهم الذي تطرحه هذه الزيارة: هل ستنجح الحكومة السورية في تحويل الزخم الدولي إلى إصلاحات داخلية حقيقية، أم سيبقى الدعم الأممي رهناً بتطورات سياسية قد لا تصب في مصلحة الاستقرار طويل الأمد؟
المرحلة القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.
روسيا اليوم



