رجحان كفّة التيار الرافض للتدخّل | سورية – لبنان : لا فُرص لتكرار سيناريو 1976

جدّد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الترويج لفكرة إسناد مهمّة مواجهة «حزب الله» إلى النظام السوري الجديد؛ وهي الفكرة التي كان طرحها للمرّة الأولى، بصورة مباشرة، في مقابلة مع شبكة «NBC» في 7 حزيران الجاري، حين تحدّث عن رغبته في رؤية «هجوم جراحي دقيق» ضدّ المقاومة اللبنانية، مبدياً استعداد واشنطن لتقديم الدعم اللوجستي لهكذا هجوم، وإمكان تشجيع دمشق على الانخراط فيه.
ولم يكتفِ ترامب بما تَقدّم، بل عاد، على هامش قمّة «مجموعة السبع» في مدينة إيفيان الفرنسية، ليكشف أنه اقترح على إسرائيل أن تتولّى سوريا «التعامل مع حزب الله» بدلاً من جيش العدو الإسرائيلي، وذلك قبل أن يثني على الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، معتبراً أنه «يقوم بعمل رائع» في «توحيد» بلاده.
والواقع أن هذا الطرح ليس جديداً؛ إذ تشير مصادر مطّلعة، في حديثها إلى «الأخبار»، إلى أن المبعوث الرئاسي الأميركي، توماس برّاك، كان عرَض قبل نحو عام ونصف عام «خطّة متكاملة» في هذا الخصوص، تقوم على المقاربة نفسها، وأنه «طرحها على الرئيس اللبناني جوزيف عون الذي رفضها». ومن غير المُستبعد أن يكون برّاك ناقش الأمر أيضاً مع القيادة السورية، التي سرعان ما وجدت نفسها، حيال ذلك، أمام اتّجاهَين داخليَّيْن متعارضَيْن: أحدهما يدفع نحو الانخراط في المشروع الأميركي، فيما يحذّر الآخر من كلفة خطوة كهذه، ولا سيما أن تداعياتها على الداخل السوري قد تكون أكبر ممّا ستخلّفه في الداخل اللبناني.
والظاهر أن الكفّة لم تتأخّر حتى بدأت تميل لمصلحة الاتجاه الرافض، وهو ما تجلّى في التصريحات التي أدلى بها الشرع أمام وفد من أهالي ريف دمشق في 12 حزيران الجاري، حين نفى وجود أيّ نية سورية للدخول إلى لبنان، واصفاً ما يتمّ تداوله في هذا السياق بـ«الشائعات». وبعد ثلاثة أيام، جاءت تصريحات مستشاره الإعلامي، أحمد موفق زيدان، إلى قناة «العربية» السعودية، لتضفي على الموقف مزيداً من الوضوح؛ إذ كشف أن الولايات المتحدة اقترحت على سوريا التدخّل في لبنان على خلفية التطورات الأمنية المتسارعة، لكنّ دمشق رفضت ذلك الطرح، مؤكدة أنها ليست معنيّة بأيّ دور عسكري أو أمني داخل الأراضي اللبنانية. ومع أن زيدان كرّر دعم بلاده لبسط الدولة اللبنانية «سيطرتها على كامل أراضيها»، فإنه حرص على رسم حدود الدعم المذكور، الذي «لا يكون عبر التدخلات العسكرية، بل من خلال تمكين مؤسّسات الدولة وتعزيز سلطتها» كما قال.
ثمة استحالة لأن تغيّر طهران حساباتها اللبنانية تحت أيّ ظرفٍ كان
إزاء ذلك، يبدو أن صانع القرار السوري يدرك التداعيات التي يمكن أن يتمخّض عنها فعل من نوع الدخول العسكري إلى لبنان؛ إذ تبدو الصورة اليوم بعيدة عن تلك التي ارتسمت عشية الأول من حزيران من عام 1976، أي اليوم الذي شهد عبور الدبّابات السورية لمعبر المصنع الحدودي في اتجاه الداخل اللبناني. ففي حينها، توافرت عناصر لم تعُد موجودة اليوم، وعلى رأسها «الضوء الأخضر» الأميركي، و«الصمت الإيجابي» الإسرائيلي، ناهيك عن «المظلّة» العربية الواسعة التي امتدّت من الرياض إلى الخليج عموماً، وعدد من العواصم العربية، بما فيها طرابلس والجزائر، فيما كانت القوى الرافضة (من مثل مصر والعراق) عاجزة عن تحويل الرفض إلى آلية معيقة للقرار. أمّا اليوم، فالمشهد مختلف تماماً، وخصوصاً في ظلّ رفض الطرف الإسرائيلي لسيناريو من النوع المطروح أميركياً؛ فوفق ما أوردته «القناة 11» الإسرائيلية، فإن ترامب «اقترح خلال اجتماع مشترك لمفاوضي لبنان وإسرائيل في واشنطن أن تتدخّل سورية ضدّ الحزب اللبناني»، لكن تل أبيب عارضت الأمر «لأنها لا تثق بالشرع».
كذلك، يَبرز الرفض السعودي الذي ظهرت الكثير من مؤشراته أخيراً، في صورة ضغط متنامٍ على الحكومة السورية الانتقالية لحملها على الابتعاد عن أسلوب «المقامرة» ببعدَيها الداخلي والخارجي على حدّ سواء. كما يَبرز الرفض التركي الذي يبدو حتى أكثر حدّة مقارنة بالمواقف المتحفّظة لبقيّة الأطراف الإقليميين.
ويزداد المشهد تعقيداً عند النظر إلى التوازنات الداخلية السورية التي تبدو شديدة الهشاشة، على نحو يجعل من الصعب الرهان على إنتاج قرار استراتيجي بحجم التدخّل العسكري في لبنان؛ فثمّة محاور نفوذ متنافسة داخل السلطات الجديدة، بعضها أقرب إلى الإمارات التي يَظهر أنها تسعى لدفع الشرع إلى مواجهة مع «حزب الله»، مستندةً في ذلك إلى حليفها أحمد عويدات، قائد «الفرقة الثامنة»، وإلى القوة الناعمة المتمثّلة بمحمد أبو الخير، وزير الأوقاف المقرّب من الشرع، وإلى دعم أبو ظبي أيضاً لهذا الأخير. وبدورها، تستند تركيا إلى فصائل الشمال السوري، والفرقتَين 70 و 44، التي يقود الأولى منهما العميد عمر جفتشي (مختار التركي)، فيما الثانية، التي تُسمّى بـ«حارسة العقيدة»، يقودها العميد محمد الخطيب، أحد المفاتيح التركية لمدينة دمشق، في حين تتمثّل القوة الناعمة لأنقرة بوزراء الخارجية أسعد الشيباني، والاستخبارات حسين سلامة، والداخلية أنس خطاب، علماً أن الدعمَين التركي والسعودي على حدّ سواء، يتقاطعان عند خطاب.
بناءً على ما تَقدّم، يبدو التعويل على دور سوري في لبنان، وفق نموذج «الاستجابة السريعة» الذي يقوم على «كثافة الفزعات»، على غرار مجازر الساحل السوري في آذار 2025، أو السويداء في تموز من العام نفسه، أو في شرق الفرات في أواخر 2025 (والتي انتهت باتفاق السلطات الانقالية مع «قسد» في 18 كانون الثاني 2026)، أشبه بالوهم السياسي. فهذه الساحات الثلاث كانت، بدرجات متفاوتة، أشبه بـ«الجزر المعزولة» عن القرارات الدولية والإقليمية، في ما ساهم في جعل «اجتياحها» أمراً يمكن البناء عليه من خلال النموذج المُشار إليه. أمّا لبنان نفسه، فهو ساحة محكومة بتوازنات ردع إقليمية ودولية شديدة التعقيد، وتتداخل فيه مصالح مباشرة للعديد من الدول والأطراف الفاعلة من مثل الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل والسعودية وحتى تركيا.
والأكيد، في هذا السياق، استحالة أن تغيّر طهران حساباتها اللبنانية تحت أيّ ظرفٍ كان، ولا سيما في ضوء ما كرّسته «مذكّرة تفاهم» 18 حزيران بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة. وعليه، فإن محاولة استنساخ سيناريو حزيران 1976، لا تعكس سوء تقدير فحسب، بل تنطوي أيضاً على جهل بطبيعة موازين القوى في لبنان، وبالمناخات التي تحيط بها؛ وهي مناخات غالباً ما تكون شديدة التأثير، وربّما حاسمة للنتائج، قُبيل أن تدور رحى المعارك حتى.
الأخبار



