الاخبار

عائلة سورية تحمي كنزا طوال سنوات الحرب وتسلمه للحكومة

في مشهد يبعث على الأمل وسط خراب الحرب، سلم حارس موقع هرقلة الأثري في محافظة الرقة شمالي سوريا، برفقة زوجته، مجموعة من القطع الأثرية الثمينة إلى متحف الرقة. لم تكن هذه القطع في صندوق مغلق أو خزينة آمنة، بل كانت مدفونة تحت الأرض في حفرة داخل منزلهما، منذ عام 2013.

لمدة 13 عاماً، تحمل الحارس عبد اللطيف إبراهيم الخلف وزوجته أمانة ثقيلة: حفظ هذه القطع من السرقة أو التدمير على يد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) الذي اجتاح المنطقة ونهب المواقع الأثرية.

كيف بدأت القصة؟ “دخل داعش فدفنّاها”
في مقطع فيديو نشرته دائرة آثار ومتاحف الرقة على “فيسبوك”، روى الحارس القصة بالتفصيل. قال إنه بعد سيطرة التنظيم على المنطقة، قام بجولة داخل مستودعات موقع هرقلة الأثري، وعثر على نحو عشر قطع أثرية أو أكثر.

أمام تهديد النهب والتدمير، اتخذ قراراً صعباً: دفن القطع في حفرة سرية داخل منزله، بمساعدة زوجته. وأوضحت الزوجة أن إخفاء القطع جاء بعد دخول عناصر “داعش” إلى المنطقة ونهب محتويات الموقع، مضيفة أنها عثرت لاحقاً على القطع وحفظتها داخل المنزل وأخفتها بأمان.

من تحت التراب إلى متحف الرقة: التسليم بعد 13 عاماً
بعد تحرير المنطقة واستقرار الأوضاع نسبياً، بادر الحارس وزوجته إلى إبلاغ إدارة المتاحف عن القطع المخبأة. تم استخراجها من الحفرة، ونقلها بواسطة شاحنة إلى متحف الرقة، حيث استلمها أمين المتحف محمد جاجان.

وفقاً لدائرة آثار ومتاحف الرقة، فإن هذه القطع تعود إلى متحف جعبر ومواقع أثرية أخرى في المنطقة، مما يزيد من قيمتها التاريخية.

ناشطون: “حس عالٍ بالمسؤولية وأمانة أغلى من الذهب”
المبادرة لاقت إشادة واسعة من ناشطين سوريين ومتابعين، الذين اعتبروها نموذجاً مشرفاً لدور الأفراد في حماية التراث الثقافي خلال سنوات الحرب.

علق ناشطون قائلين:

“هذا يُظهر أن الضمير الحي لا يموت حتى تحت القصف”.
“أمانة أغلى من الذهب… حفظوها 13 سنة تحت الأرض ولو باعوها لكانوا استغنوا”.
“الحارس وزوجته أثبتا أن الانتماء للأرض ليس شعارات، بل أفعال ومخاطرة”.

ورأى مدونون أن ما فعله الحارس وزوجته يُعد تجسيداً حقيقياً لمعنى “المواطنة” و”حماية التاريخ”، مشيرين إلى أن السوريين يواصلون حماية إرثهم رغم الظروف القاسية التي مرت بها البلاد.

رسالة للعالم: للحضارة السورية حراس حقيقيون
المتابعون اعتبروا أن هذه المبادرة تمثل رسالة واضحة للعالم مفادها أن الحضارة السورية لها حراس حقيقيون، لا تكسرهم الحروب ولا تغريهم الأموال. الحفاظ على التراث، كما قالوا، هو مسؤولية جماعية تتجاوز الظروف الاستثنائية.

كما لفتوا إلى أن مبادرات كهذه تسهم في إعادة الاعتبار للمواقع الأثرية التي تعرضت للتخريب والنهب، وتساعد في الحفاظ على ما تبقى من الإرث التاريخي للمنطقة، بانتظار ترميمه وإعادة عرضه.

ختاماً: الكنز الحقيقي ليس تحت الأرض، بل في الضمير
قصة الحارس عبد اللطيف وزوجته هي واحدة من قصص صغيرة لكنها عظيمة ترويها الحرب السورية. بين مآسي النزوح والدمار، هنالك من كان يحفر حفرة في أرض منزله ليخفي فيها تاريخ بلده، منتظراً اليوم الذي يعيد فيه الأمانة إلى أصحابها. هذا ليس مجرد خَبَر عن آثار، بل درس في الأمانة الوطنية التي لا تتزعزع حتى لو استمرت 13 عاماً في باطن الأرض.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى