من دون شهادة جامعية.. كيف تسلل إبستين إلى جامعات النخبة

قصة جيفري إبستين لا تقتصر على كونه رجل أعمال مدانًا بجرائم جنسية مروعة، بل تمتد لتكشف عن واحدة من أكثر فضائح النفوذ والمال تعقيدًا في التاريخ الأكاديمي الأمريكي. ففي تطور مثير، كشفت وثائق وزارة العدل الأمريكية مؤخرًا كيف تمكن إبستين، الذي لم يحصل حتى على شهادة جامعية، من اختراق أروقة أعرق الجامعات الأمريكية، وبناء شبكة علاقات واسعة مع نخبة من العلماء والأكاديميين، مستخدمًا مزيجًا من التبرعات المالية الضخمة، والاهتمامات الفكرية المشتركة، والدعوات الفاخرة إلى عقاراته الخاصة.
قصة تسلل بلا شهادة
بحسب تحقيق نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن إبستين لم يكتفِ بالتواصل مع رجال المال والأعمال، بل امتد نفوذه ليطال أسماء لامعة في الوسط الأكاديمي، أمثال اللغوي الشهير نعوم تشومسكي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والفيزيائي النظري ستيفن هوكينغ، بالإضافة إلى باحثين مؤثرين في علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي.
وكان الأكاديميون، بحسب التقرير، أكثر من مجرد أسماء في قائمة معارفه؛ فقد أسهموا في تكسير صورته بوصفه “راعيًا للعلوم” و”صاحب عقل لامع”. ففي مقابلة عام 2007، وصف العالم الحائز على جائزة نوبل ريتشارد أكسل ذكاء إبستين قائلًا إنه “يملك قدرة فريدة على الربط بين الأفكار ويستطيع تحديد المشكلات البيولوجية دون امتلاك كل البيانات”.
الأكاديميون يدفعون الثمن
مع تدفق الوثائق القضائية، بدأت تداعيات هذه العلاقات تظهر جليًا، حيث اضطر عدد من الأكاديميين البارزين إلى الاستقالة أو الاعتذار العلني:
ريتشارد أكسل: أعلن استقالته من منصبه كمدير مشارك لمعهد العقل والدماغ والسلوك في جامعة كولومبيا، واصفًا علاقته بإبستين بأنها “خطأ جسيم في التقدير”.
لورانس سمرز: الرئيس السابق لجامعة هارفارد، قرر إنهاء عمله كأستاذ مع نهاية العام الدراسي، بعد أن حصل على إجازة من التدريس واعتذر علنًا، معربًا عن “خجله الشديد” إزاء رسائل إلكترونية طلب فيها من إبستين نصيحة بشأن “ممارسة الجنس” مع امرأة كان يسعى للتقرب منها.
ليون بوتستين: رئيس كلية بارد، استعانت الكلية بمكتب محاماة لمراجعة علاقاته بإبستين، بعد ظهور رسائل إلكترونية تُظهر علاقة شخصية ودية استمرت حتى بعد إدانة إبستين عام 2008.
المال بوابة النفوذ الأكاديمي
لم تكن الصداقات وحدها هي المفتاح الذي فتح أبواب الجامعات أمام إبستين، بل كان المال هو السلاح الأكثر فاعلية. فوفقًا لتقرير صادر عن جامعة هارفارد في أيار 2020، تبرع إبستين بنحو 9.1 مليون دولار للجامعة خلال العقد الذي سبق إدانته، منها 6.5 مليون دولار خصصها عام 2003 لإنشاء برنامج “الديناميات التطورية”.
وغالبًا ما تراوحت تبرعاته الفردية بين عشرات الآلاف من الدولارات، مستفيدًا من حاجة بعض الأكاديميين، خصوصًا في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية، إلى التمويل. ومن بين المستفيدين عالم الأنثروبولوجيا روبرت تريفرز، الذي أشاد في رسالة عام 2019 بـ”نزاهة إبستين الشخصية”، واعتبر دعمه المالي “أفضل من الضمان الاجتماعي”.
شبكة واسعة من العلاقات والوساطات
الوثائق التي نشرتها وزارة العدل كشفت أيضًا كيف أن بعض الأكاديميين كانوا بمثابة بوابات لآخرين. فقد تعرف الاقتصادي نوريل روبيني على إبستين عبر وسيط، لكنه أكد للصحيفة أنه التقاه مرة واحدة فقط ولم يكن إبستين مهتمًا بآرائه بقدر اهتمامه بذكر أسماء المشاهير.
وفي واحدة من أبرز محاولات استغلال النفوذ، كشفت مراسلات عام 2016 أن إبستين حاول تسهيل التحاق أليس دي روتشيلد، وريثة العائلة المصرفية الشهيرة، بجامعة كولومبيا عبر التواصل مع العالم ريتشارد أكسل. ورغم إرسال السيرة الذاتية وطلب المراجعة، انتهت المحاولة بالرفض، لتلتحق أليس لاحقًا بجامعة نيويورك.
ما الذي تعنيه هذه الفضيحة؟
يخلص تقرير “وول ستريت جورنال” إلى أن الأكاديميين لم يمنحوا إبستين فقط غطاءً من الاحترام والمصداقية، بل وفروا له أيضًا نفوذًا حقيقيًا أو مظهرًا من النفوذ، خصوصًا في ما يتعلق بإمكانية تسهيل قبول أبناء الأثرياء في جامعات رابطة اللبلاب المرموقة.
واليوم، وبينما تتواصل التحقيقات وتتكشف المزيد من الوثائق، تبدو تداعيات هذه القضية مرشحة لمزيد من التصعيد. ففضيحة إبستين تطرح أسئلة جوهرية حول:
أخلاقيات التمويل الجامعي وحدود تأثيره على الاستقلال الأكاديمي.
العلاقة المعقدة بين المال والبحث العلمي.
مسؤولية المؤسسات الأكاديمية في التدقيق في مصادر التمويل والجهات المتبرعة.
عربي 21



