اخبار سريعة

فيضانات سهل الروج تغرق القمح وتهدد مصدر رزق مئات المزارعين في إدلب

على حافة أرضه وقف رشاد مصطفى صامتاً، ينظر إلى مشهد لم يعتاده طوال سنوات عمله في الزراعة. كان يعرف أهالي قرية البالعة باسم “أبي ياسر”، لكنه هذه المرة لم يكن يحدق في حقل أخضر كما اعتاد كل موسم، بل في مرآة مائية واسعة تمددت أمامه صامتة.

قبل أسابيع فقط، كانت هذه الأرض تغطيها نبتات قمح خضراء بلغت منتصف نموها، والسنابل الصغيرة كانت تبشر بموسم قد يعوض تعب سنة كاملة. لكن اليوم، لم يعد هناك سوى سطح مائي رمادي يخفي في أعماقه كل شيء.

حاول الرجل الستيني أن يتعرف على حدود أرضه، فلم يستطع. الطريق الترابي الذي كان يسلكه يومياً اختفى تماماً، وأوتاد الحدود غرقت تحت الماء، حتى الأشجار التي كانت بمثابة علامات مألوفة بدت وكأنها تنتمي إلى مكان آخر.

لكن أرض أبي ياسر لم تكن الوحيدة التي ابتلعتها المياه. في سهل الروج غربي إدلب، تكرر المشهد نفسه على امتداد آلاف الدونمات. خلال أيام قليلة، تحولت الحقول الخضراء إلى مسطحات مائية، واختفى القمح الذي راهن عليه المزارعون كمصدر دخل وحيد لهم هذا العام.

عندما تخون السماء من يعولون عليها
سهل الروج، أحد أهم السلال الزراعية في محافظة إدلب، يعيش على مطر السماء. هنا، يعتمد المزارعون بشكل شبه كامل على الأمطار لري محاصيلهم من قمح وشعير وحبة بركة. لكن السماء التي طالما كانوا يترقونها بخوف وشوق، كانت هذه المرة قاسية معهم.

فجأة، ودون سابق إنذار، انهمرت الأمطار بغزارة استثنائية خلال فترة قصيرة بين أواخر يناير ومطلع فبراير 2026. كميات المياه التي هطلت كانت أكبر بكثير مما تستطيع التربة استيعابه، وأكثر مما تستطيع شبكات التصريف تحمله. فتجمعت المياه فوق الأراضي الزراعية وبقيت لأيام طويلة.

ربيع الحمد، مزارع من محيط قرية البالعة، يروي تفاصيل ما حدث: “في البداية، كانت مجرد برك مياه بين خطوط الزراعة، وهذا أمر طبيعي بعد الأمطار. لكن بعدها بدأ مستوى المياه يرتفع بسرعة مخيفة، وخلال أقل من أسبوع، اختفى القمح بالكامل تحت الماء. لم نصدق ما رأيناه”.

غصة تحت الماء: كيف تختنق النباتات؟
ربما يعتقد البعض أن النباتات تحب الماء، لكن القصة أكثر تعقيداً. فالنباتات، مثل البشر، تحتاج إلى الأوكسجين لتعيش. عندما تغمر المياه التربة لفترة طويلة، تختنق الجذور وتتوقف عن أداء وظائفها الحيوية. ومع استمرار الغمر، تبدأ النباتات بالضعف، ثم تصفر، ثم تموت.

يشرح الحمد ذلك بمزيد من التفصيل: “استمرار الغمر لأيام متتالية كان العامل الأكثر تدميراً. النباتات كانت تغرق فعلياً. ثم بدأت الأمراض الفطرية تنتشر في الجذور الضعيفة. حتى عندما بدأت المياه تنحسر في بعض المناطق، كنا نرى القمح مصفراً ومنحنياً على نفسه. كان منظراً يدمي القلب”.

وفي بعض الحقول، لم يكن بالإمكان رؤية أي جزء من المحصول على الإطلاق. اختفى كل شيء تحت سطح الماء الرمادي.

قنوات التصريف: بنية تحتية منهكة


لكن الأمطار وحدها ليست المسؤولة الوحيدة عن هذه الكارثة. فشبكات تصريف المياه في المنطقة، التي يفترض أن تنقل المياه الزائدة إلى نهر العاصي، لم تكن في أفضل حالاتها.

سنوات من الصيانة المحدودة، وتراكم الطمي والنباتات في القنوات، جعلت هذه الشبكات عاجزة عن التعامل مع الكميات الهائلة من المياه التي تدفقت خلال أيام قليلة.

محمود الشيخ، مزارع يملك أرضاً قرب إحدى القنوات الزراعية، يقول بحسرة: “القناة كانت موجودة أمام أعيننا، لكنها ما كانت تسحب الماء بالشكل المطلوب. الماء بقي واقفاً في الأرض أياماً طويلة. لو كان التصريف أسرع، ربما كان يمكن إنقاذ جزء من المحصول”.

وحتى بعد توقف الأمطار، بقيت المياه في كثير من الحقول دون حركة تذكر، بسبب ضعف انحدار التربة وعدم كفاية قنوات التصريف. وفي محاولة متأخرة، جرت عمليات لسحب المياه باتجاه نهر العاصي باستخدام إمكانيات محلية بسيطة، لكن الوقت كان قد فات، وكانت الخسائر قد وقعت بالفعل.

خسارة موسم: ضربة قاسية لجيوب المزارعين


الخسائر لم تكن مجرد أضرار في النباتات، بل هي ضربة قاسية للاقتصاد المنزلي لمئات العائلات التي تعتمد على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل والغذاء.

عبد الكريم مصطفى، مزارع من المنطقة، يتحدث بصوت يملؤه الأسى: “أنفقت معظم مدخراتي على هذا الموسم: ثمن البذار، ثمن السماد، ثمن الحراثة. كل شيء كان جاهزاً لموسم واعد. الآن لا أعرف إذا بقي شيء يمكن حصاده. الديون تنتظرني، والعائلة تنتظر مني قوتها”.

في كثير من الحالات، يضطر المزارعون إلى الاقتراض لتغطية تكاليف الزراعة، على أمل سداد الديون بعد الحصاد. لكن مع تلف المحصول، يصبح سداد هذه الديون حلماً بعيد المنال، مما يزيد الضغوط المالية والنفسية على هذه الأسر.

ولم يقتصر الضرر على القمح وحده، بل طال محاصيل أخرى مثل حبة البركة والشعير، التي تشكل مصادر دخل إضافية للمزارعين. وبذلك، تكون الفيضانات قد أصابت النشاط الزراعي في المنطقة في مقتل.

ما بعد الفيضان: مستقبل غامض
الآن، ومع بدء انحسار المياه تدريجياً في بعض المناطق، يحاول المزارعون تقييم حجم الكارثة. لكن الصورة التي تتكشف أمامهم قاتمة: جزء كبير من الموسم الزراعي قد ضاع إلى الأبد.

لكن الأثر الحقيقي لهذه الفيضانات يمتد إلى ما هو أبعد من هذا الموسم. فضعف القدرة المالية للمزارعين قد يحول دون قدرتهم على تمويل الموسم المقبل، مما يهدد استمرارية النشاط الزراعي نفسه في المنطقة. إنها حلقة مفرغة قد تبتلع أحلام المزارعين لمواسم قادمة أيضاً.

تكشف فيضانات سهل الروج عن واقع هش يعيشه المزارعون في شمال غربي سوريا، حيث يمكن لحدث مناخي واحد أن يقلب موازين موسم كامل رأساً على عقب، ويضع مئات العائلات أمام مستقبل غائم لا يبشر بخير.

أما أبو ياسر، فلا يزال يقف على حافة أرضه، ربما يصلي، ربما يحلم، أو ربما ينتظر معجزة تعيد له حقله الأخضر. لكن كل ما يراه أمامه الآن هو سطح مائي رمادي، يخبئ تحت سطحه الهادئ قصة موسم ضائع، وأحلام مزارع كان ينتظر من السماء رحمة، فجاءته بفيضان.

تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى