أحلام ورؤى قبل الوفاة.. ماذا يرى المرضى في نهاية حياتهم؟

في مراحل متقدمة من المرض وقرب نهاية الحياة، يصف بعض المرضى أحلاما ورؤى شديدة الوضوح والتأثير، يظهر فيها أحيانا أشخاص رحلوا من قبل أو صور مرتبطة بالموت والانتقال. وتُعرف هذه التجارب في الأبحاث باسم “أحلام ورؤى نهاية الحياة”، وقد تناولتها دراسات في سياقات الرعاية التلطيفية ودور رعاية المحتضرين.
ولا تتناول هذه الأبحاث كل من يقترب من الموت، كما أنها لا تقول إن جميع المرضى يمرون بالتجربة نفسها أو إن حلما معيَّنا ينبئ بقرب الوفاة، وإنما ترصد أنماطا تكررت لدى بعض المرضى في سياق نهاية الحياة.
As the human body approaches its final stages, the mind undergoes a profound and deeply symbolic transition. Far from fading quietly, our dreamscapes often become incredibly vivid, deeply emotional, and rich in meaning.
Research into the cognitive experiences of terminally ill… pic.twitter.com/N5uZebO3QD
— Science & Nature (@ScienceIsNew) April 20, 2026
ماذا يرى بعض المرضى؟
في دراسة نُشرت أواخر مارس/آذار 2026 في مجلة دراسات الموت (Death Studies)، تناول باحثون إيطاليون تجارب أحلام ورؤى نهاية الحياة كما يصفها المرضى للعاملين في الرعاية التلطيفية.
وشمل الاستطلاع 239 مشاركا من العاملين في أماكن رعاية نهاية الحياة، بينهم متخصصون ومتطوعون في دور رعاية المحتضرين. وسُئل المشاركون عن التجارب التي لاحظوها أو سمعوها من المرضى، أي أن الدراسة ترصد الظاهرة من منظور مقدمي الرعاية، وليس من خلال تسجيل أحلام جميع المرضى مباشرة.
وأظهرت إجابات المشاركين تكرار صور مرتبطة بالرحيل، إلى جانب ظهور أشخاص متوفين في تجارب المرضى. ووُصفت هذه التجارب بأنها قد تكون شديدة الحيوية وذات معنى شخصي بالنسبة إلى صاحبها، وقد تحدث أثناء النوم أو اليقظة.
ولم تكن جميعها مريحة، فقد تحدث العاملون أيضا عن تجارب سببت الخوف أو الاضطراب، وهو ما يجعل التعامل معها جزءا من الرعاية النفسية والعاطفية للمريض، لا مجرد ظاهرة مثيرة للفضول.
الراحلون في أحلام البعض
وتأتي هذه النتائج امتدادا لأبحاث سابقة اعتمد بعضها على المرضى أنفسهم. ففي دراسة أمريكية نُشرت عام 2014، تابع الباحثون مرضى في دار لرعاية المحتضرين، وأجروا مقابلات متكررة معهم خلال الفترة السابقة للوفاة. وفي التحليل النهائي، أفاد 52 من أصل 59 مريضا (88.1%) بأنهم مروا بحلم أو رؤية واحدة على الأقل.
وكانت لقاءات الأقارب والأصدقاء المتوفين من أكثر التجارب التي أشار إليها المرضى، إلى جانب تجارب أخرى تضمنت أشخاصا أحياء أو موضوعات مرتبطة بالرحيل.
When my grandma passed away I was by her side. She had been catatonic for about a day, just barely breathing, eyes closed, no movement.
About 60 seconds before she took her last breath and her heart stopped beating, she sat up in bed, opened her eyes looked at the wall beside… pic.twitter.com/CVCypwAV2l
— Mr_Fireside 🔥 (@Mr_Fireside) June 13, 2026
ولاحظ الباحثون أن التجارب التي ظهر فيها أشخاص متوفون كانت -في المتوسط- أكثر إراحة للمرضى من بعض التجارب الأخرى، كما ازداد ظهور الأحلام المريحة المتعلقة بالمتوفين مع اقتراب الرحيل.
لكن الدراسة لم تعتبر هذه الرؤى دليلا على حدوث تواصل فعلي مع الموتى، بل درست ما وصفه المرضى من تجارب ومدى تأثيرها النفسي والعاطفي فيهم.
هل يرى الجميع الشيء نفسه؟
لا، فالمراجعة المنهجية المنشورة في أواخر يوليو/تموز 2026، والتي جمعت نتائج 13 دراسة عن أحلام ورؤى نهاية الحياة لدى المرضى ومقدمي الرعاية، وجدت تفاوتا واسعا في معدلات انتشار هذه التجارب بين الدراسات، تراوح بين 21% و90%. ويرتبط هذا الاختلاف بتباين العينات وتعريفات الظاهرة وطرق قياسها.
This is what you dream about right before you die, according to scientists https://t.co/j5D4mts4hk
— Metro (@MetroUK) September 4, 2026
ولهذا لا يمكن تحويل هذه الأرقام إلى قاعدة تقول إن نسبة محددة من البشر سترى أحلاما معيَّنة قبل الموت.
كما أن وصف التجربة بأنها تحدث “قبل الموت مباشرة” ليس دقيقا في جميع الحالات، فالأبحاث تتناول تجارب يمكن أن تظهر في مراحل مختلفة من نهاية الحياة، وقد تحدث أثناء النوم أو اليقظة. ولذلك يستخدم الباحثون تعبير “الأحلام والرؤى” بدل الاقتصار على كلمة “أحلام”.
لماذا تبدو هذه التجارب مهمة للمريض؟
لا ينظر الباحثون إلى هذه الظاهرة باعتبارها مجرد قائمة من الصور التي تظهر في أذهان المرضى، بل يهتمون أيضا بما تعنيه التجربة لصاحبها.
فإذا كان ظهور شخص متوفى يمنح المريض شعورا بالراحة أو يساعده على التعامل مع اقتراب النهاية، فإن الاستماع إلى التجربة قد يساعد الفريق المعالج على فهم جانب مهم من حالته النفسية. وفي المقابل، إذا كانت الرؤية مخيفة أو مزعجة، فقد يحتاج المريض إلى الطمأنة والدعم.
وتشير الدراسة الإيطالية إلى أن العاملين في الرعاية التلطيفية يستخدمون تفسيرات مختلفة لهذه التجارب، من بينها التفسيرات النفسية والروحية والوجودية والطبية، كما يواجهون أحيانا صعوبة في التمييز بينها وبين حالات مثل الهذيان.
لذلك دعا الباحثون إلى مزيد من التدريب والفهم لهذه الظاهرة في بيئات الرعاية التلطيفية، بما يساعد العاملين على الاستجابة لتجارب المرضى بطريقة أكثر استعدادا وحساسية.
ماذا يستطيع العلم أن يقول؟
تستطيع الدراسات أن تسجل ما يصفه المرضى من أحلام ورؤى، وما يشعرون به، ومدى تكرار بعض الأنماط، لكنها لا تستطيع من خلال ذلك وحده تحديد مصدر هذه التجارب أو إثبات أنها نافذة على عالم ما بعد الموت.
وهذه نقطة أساسية في فهم البحث العلمي للظاهرة، فرؤية شخص متوفى في حلم أو رؤية هي تجربة يمكن للباحث تسجيلها، أما تفسيرها على أنها زيارة فعلية من الميت أو علامة على ما سيحدث للروح بعد الموت فليس استنتاجا تثبته هذه الدراسات.
Recently, we invited Post readers to share their personal experiences with end-of life dreams and visions. We received nearly 500 submissions about experiences that brought comfort to the dying and solace to their caregivers.
Here’s what they shared: https://t.co/LMJMtuAwFl
— The Washington Post (@washingtonpost) July 26, 2026
كما تشير المراجعة المنهجية الأحدث إلى تفاوت كبير في الأدلة وطرق البحث، وهو ما يستدعي مزيدا من الدراسات قبل الوصول إلى استنتاجات عامة بشأن طبيعة هذه التجارب أو أسبابها.
بين الحلم والرحيل
تكشف أبحاث أحلام ورؤى نهاية الحياة عن جانب إنساني لافت في تجربة بعض المرضى وهم يقتربون من الموت، إذ يصفون أحيانا تجارب حية ومؤثرة تعود فيها وجوه الأحبة وذكريات العلاقات وصور الرحيل.
وقد تمنح هذه التجارب بعضهم شعورا بالراحة، بينما تثير القلق لدى آخرين، ولا يوجد حتى الآن تفسير علمي واحد متفق عليه لهذه التجارب.
لكنها تفتح أمام الرعاية التلطيفية بابا آخر لفهم المريض، فالعناية بالإنسان في أيامه الأخيرة لا تتعلق بالألم الجسدي وحده، وإنما بما يمر به من مشاعر وذكريات وأسئلة وهو يقترب من نهاية حياته.
الجزيرة



