الاخبار

باب المندب في قلب الصراع.. لماذا يسارع الحوثيون نحو المضيق الإستراتيجي؟

يمثل تقدم جماعة أنصار الله (الحوثيين) الأخير في الساحل الغربي لليمن، بما في ذلك السيطرة على مدينة المخا ومناطق ساحلية أخرى، تطورا ميدانيا ذا أبعاد تتجاوز المكاسب العسكرية المباشرة، إذ يرتبط بحسابات إستراتيجية تتعلق بمضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وفي هذا، تبدو تحركات الجماعة جزءا من مسعى لتوسيع نطاق نفوذها على الساحل الغربي، وتعزيز أوراق الضغط السياسية والعسكرية التي تمتلكها.

فبعد سنوات من الاعتماد على الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستهداف السفن والمصالح المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر، يمنح التمدد الميداني باتجاه المخا والمناطق المحيطة بباب المندب الجماعة موقعا أقرب إلى خطوط الملاحة الدولية.

ويُنظر إلى هذا التحول باعتباره انتقالا من سياسة التأثير عن بُعد إلى محاولة فرض حضور ميداني مباشر على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

كما يمنح الاقتراب من باب المندب الحوثيين ورقة ضغط جيوسياسية مهمة، نظرا للأهمية الاستثنائية للمضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبره نسبة مؤثرة من حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

ومن شأن تعزيز النفوذ في هذه المنطقة أن يرفع من الوزن التفاوضي للجماعة في أي ترتيبات أو مسارات سياسية إقليمية ودولية مرتبطة بالملف اليمني.

وعلى المستوى المحلي، يهدف التمدد على الساحل الغربي إلى إحكام السيطرة على الشريط الساحلي الممتد جنوب الحديدة، بما يتيح عزل خصوم الجماعة وتقليص هامش تحرك القوات الحكومية والمقاومة الوطنية في مناطق الساحل. كما يوفر ذلك فرصة للضغط على مدينة تعز من الجهة الغربية والتحكم في طرق الإمداد والمنافذ الحيوية المرتبطة بالساحل.

كيف سيطر الحوثيون على الساحل؟.. لغز الانسحاب
أوضح محرر الشؤون اليمنية في الجزيرة أحمد الشلفي أن التقدم الحوثي السريع باتجاه المخا، وذباب، وجزيرة ميون، لم يتحقق بفعل انتصار عسكري أو معارك طاحنة، بل جاء إثر انسحاب غامض ومفاجئ لأكثر من 30 ألف مقاتل من “القوات المشتركة” (التي تضم المقاومة الوطنية، ألوية العمالقة، والقوات التهامية).
وقد أخلت هذه القوات المنسحبة أنساقها القتالية الدفاعية بالكامل، بدءاً من الوازعية، مروراً بحيس والخوخة (التي تُعد الحامية الإستراتيجية للمخا)، وصولاً إلى المخا نفسها. وفي معرض تفكيكه لهذا “اللغز”، طرح الشلفي ثلاثة سيناريوهات لتفسير ما جرى:

سيناريو الاختراق العسكري (الأرجح): أن الانسحاب تم نتيجة خلل عسكري جسيم، أو اختراقات لشبكات الاتصالات العسكرية التابعة للقوات الحكومية، ترافق مع غياب تام للتنسيق والقرار السياسي والعسكري الموحد بين الفصائل المتواجدة في الساحل.
سيناريو “الاستدراج” (مستبعد): يرى البعض أن الانسحاب قد يكون خطة تكتيكية لاستدراج الحوثيين خارج صنعاء لتطويقهم. لكن الشلفي يرفض هذا الطرح تماماً، مبرراً ذلك بأن المناطق المتروكة (مثل ذباب وميون) ليست مجرد أراضٍ عادية، بل هي قواعد عسكرية استغرق تجهيزها 10 سنوات، وتضم مرافئ، ومطارات، ومقار قيادة، ومنصات جاهزة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، ولا يمكن عسكرياً التفريط بها وتسليمها للعدو كـ”طعم”.
سيناريو الهزيمة الحقيقية (مستبعد): وهو أمر غير منطقي نظراً لعدم اندلاع أي مواجهات أو قتال فعلي يبرر سقوط هذه المساحات الشاسعة.

جزيرة ميون
واليوم، أفاد مسؤول حكومي يمني محلي لوكالة الصحافة الفرنسية بأن “الحوثيين استكملوا السيطرة على منطقة باب المندب وجزيرة ميون الواقعة وسط المضيق”، مشيرا إلى أن قوارب تقل مسلحين حوثيين وصلت إلى الجزيرة بعد مغادرة القوات الحكومية لها يوم الخميس.

كما أفاد شهود عيان بانتشار عناصر حوثية على شواطئ باب المندب، إلى جانب تسيير دوريات بمركبات عسكرية في المنطقة.

وتقع جزيرة ميون، المعروفة أيضا باسم “بريم”، في قلب مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وتعد واحدة من أكثر الجزر اليمنية أهمية من الناحية الجيوسياسية والعسكرية.

وتفصل الجزيرة بين الممرين البحريين للمضيق، أحدهما شرقي ضيق ملاصق للساحل اليمني، والآخر غربي أوسع يمثل المسار الرئيسي للملاحة الدولية بين البحر الأحمر وخليج عدن، كما تتخذ شكلا هلاليا يتيح لها الإشراف المباشر على حركة السفن العابرة للمضيق.

كما تنبع الأهمية الاستراتيجية لجزيرة ميون من موقعها المتقدم وسط أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فمضيق باب المندب يشكل حلقة الوصل بين البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي، ومنه تمر سفن التجارة والطاقة، ما يجعله شريانا حيوياً للتجارة الدولية وحركة إمدادات النفط.

وعسكريا، تمنح السيطرة على الجزيرة قدرة كبيرة على مراقبة وتأمين أو تهديد خطوط الملاحة البحرية في المضيق، نظرا لإشرافها المباشر على الممرات المائية الدولية.

نقاط ارتكاز
ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية في ظل ارتباطه بالجزر اليمنية الواقعة في البحر الأحمر، لا سيما الجزر القريبة من باب المندب، والتي تمثل نقاط ارتكاز إستراتيجية للإشراف على الممرات البحرية وحركة السفن. فكلما توسعت سيطرة الجماعة على المناطق الساحلية المحاذية للمضيق، زادت قدرتها على تعزيز حضورها العسكري في هذه المواقع الحساسة.

وفي البعد الإقليمي، يُنظر إلى التحركات الحوثية باعتبارها محاولة لفرض معادلة ردع جديدة وإعادة رسم ميزان القوى في غرب اليمن، بما يمنح الجماعة نفوذا أكبر في مواجهة خصومها المحليين والإقليميين.
كما تسعى الجماعة، وفق تقديرات مراقبين، إلى تكريس نفسها كقوة أمر واقع تمتلك أوراق تأثير مباشرة على أمن البحر الأحمر وأحد أهم الممرات البحرية الدولية، وهو ما يفسر الأهمية الإستراتيجية المتزايدة لمعركة الساحل الغربي والتنافس المتصاعد حول باب المندب.

وقد واصلت جماعة الحوثيين توسيع نطاق سيطرتها في الساحل الغربي لليمن، مع إعلان مسؤولين محليين ومصادر عسكرية استكمال انتشارها في مناطق حيوية مطلة على مضيق باب المندب.

كما تشير المعطيات الميدانية والتصريحات إلى أن الجماعة أحكمت سيطرتها خلال الأيام الماضية على عدد من المناطق والجزر الإستراتيجية في الساحل الغربي، من بينها مدينة المخا وجزيرة زقر، في حين تحدثت مصادر عسكرية عن حصار قوات حكومية متمركزة في جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى، وسط مناشدات لتقديم الدعم وإنهاء الحصار المفروض عليها.

وتزامنت هذه التطورات مع استمرار الهجمات المتبادلة بين الطرفين في بعض الجبهات، وأفادت تقارير محلية بأن الحوثيين جددوا قصف منطقة رأس العارة الساحلية في محافظة لحج، القريبة من باب المندب، في حين تحدثت وسائل إعلام تابعة للجماعة عن غارات جوية استهدفت مطار المخا.

تحذيرات حكومية
في المقابل، تتصاعد التحذيرات الحكومية من تداعيات هذه التطورات، فقد أكد مندوب اليمن لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي أن جماعة الحوثي تسعى إلى فرض واقع جديد في البحر الأحمر، محذرا من المخاطر التي تمثلها سيطرتها المتزايدة على المناطق القريبة من باب المندب، ومشددا على أن أمن المضيق يرتبط بالأمن الإقليمي والدولي.

وتشهد جبهات اليمن منذ أسابيع تصعيدا واسعا، لا سيما في الساحل الغربي، حيث تمكن الحوثيون من التقدم في جنوبي الحديدة وأجزاء من تعز وصولا إلى المخا والمناطق المطلة على باب المندب، بينما تواصل القوات الحكومية عملياتها في جبهات أخرى أبرزها الجوف ومأرب.

كما أعلنت القوات الحكومية اليمنية مساء أمس الخميس أنها ستبدأ استخدام “كافة ومختلف الأسلحة والنيران” للقضاء على أي تحركات عسكرية لجماعة “الحوثيين”، ضمن “صندوق القتل” المحدد على الخريطة.

ودعت القوات اليمنية المدنيين إلى “تجنب استخدام طريق تعز/المخا حتى إشعار آخر، والابتعاد عن تجمعات عناصر وعتاد المليشيا الحوثية الإرهابية”.

الأبعاد الإقليمية.. مشروع إيراني للسيطرة البحرية
وتضع هذه التحولات باب المندب في صدارة المشهد الإقليمي، في ظل المخاوف من انعكاساتها على أمن الملاحة الدولية وحركة التجارة عبر البحر الأحمر، وسط ترقب لما ستسفر عنه التطورات في واحدة من أكثر المناطق الإستراتيجية حساسية على مستوى العالم.

كما يرى مراقبون أن تعاظم النفوذ الحوثي في باب المندب “يمنح إيران وحلفاءها ورقة ضغط إضافية”، لاسيما في ظل التوترات التي يشهدها مضيق هرمز، بما يتيح التأثير على اثنين من أهم الممرات البحرية الإستراتيجية لنقل النفط والتجارة الدولية.

ويقول محرر الشؤون اليمنية في الجزيرة أحمد الشلفي إن وصول الحوثيين إلى باب المندب (الذي يبعد 75 كيلومترا فقط عن المخا) يُخرج الصراع من دائرة النزاع اليمني المحلي، ليحوله إلى تهديد دولي صريح للملاحة البحرية.

هذا التقدم يمثل تتويجاً لمشروع إقليمي منسق بشكل كامل مع إيران. وقد استند الشلفي إلى معلومات وتقارير (بينها تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي) تؤكد أن رحلات طيران “ماهان” الإيرانية في شهر يوليو/تموز الماضي نقلت خبراء من الحرس الثوري الإيراني، ومعدات عسكرية متطورة خاصة بالطيران المسيّر والصواريخ، للإعداد لهذه العملية التي تهدف في النهاية إلى التحكم الناري في مضيق باب المندب.

إلى أين تتجه المعركة؟.. صندوق القتل وحتمية الهجوم البري
بناءً على هذه المعطيات، تتجه المعركة نحو تصعيد شامل ومفتوح، تتحدد ملامحه في النقاط التالية:

تفعيل “صندوق القتل”: أقرت القوات الحكومية ضمنياً بوصول الحوثيين إلى هذه النقاط عبر إعلان الطرق الرابطة بين تعز – المخا – ذباب منطقة عمليات عسكرية مغلقة أو ما أسمته بـ”صندوق القتل”، داعية المدنيين لتجنبها، وبدأت بالفعل بتنفيذ ضربات جوية مكثفة.
القصور الجوي وضرورة التحرك البري: حذر الشلفي من أن الغطاء الجوي المتوفر حالياً للقوات الحكومية لن يكون كافياً لاستعادة هذه الجغرافيا المعقدة والمحصنة. فالحوثيون باتوا يمتلكون قواعد عسكرية متكاملة في الجزر والساحل، مما يحتم على القوات الحكومية حشد قوات برية ضخمة لشن هجوم مضاد واستعادة الأرض.
اتساع مسرح العمليات: المعركة لن تتوقف عند حدود الساحل الغربي، فمسرح العمليات في اليمن شاسع جداً (القتال يدور في مساحة تقارب 130 ألف كيلومتر مربع). وتوحي المؤشرات بأن الأيام القادمة ستشهد عمليات كر وفر عنيفة، وتوسعاً في رقعة الاشتباكات لتشمل جبهات أخرى بهدف تشتيت الجهد العسكري الحوثي وتصحيح هذا الاختراق الإستراتيجي الخطير.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى