محروقات سورية تحت الضغط.. التكرير يرفع الكلفة

يوضح عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية، الدكتور عبد الهادي الرفاعي، أن قراءة أسعار المشتقات النفطية تحتاج إلى النظر إليها من زاويتين: الأولى تتعلق بالعناصر العامة التي تحدد سعر الوقود، والثانية ترتبط بخصوصية السوق السورية التي تجمع بين محدودية التكرير المحلي والاعتماد على الاستيراد.
ويشرح الرفاعي أن سعر الخام يمثل نقطة البداية في تحديد تكلفة المشتقات، لكنه ليس العنصر الوحيد.
فالوقود يمر بعدة مراحل قبل وصوله إلى المستهلك، تشمل التكرير وما يرتبط به من تكاليف الطاقة والصيانة والهدر، ثم الشحن والتأمين، فضلاً عن النقل والتوزيع داخل السوق المحلية.
وتزداد هذه التكاليف عندما تشهد الممرات البحرية الحيوية اضطرابات، إذ ترتفع أجور النقل وأقساط التأمين، ما ينعكس في النهاية على تكلفة المشتقات المستوردة.
لذلك، فإن احتساب سعر ليتر الوقود اعتماداً على سعر برميل الخام وحده لا يعطي صورة دقيقة عن التكلفة النهائية، إذ يمكن أن تصبح نفقات التكرير والنقل والتأمين عاملاً أكثر تأثيراً، خصوصاً خلال فترات التوتر والاضطراب في الأسواق العالمية.
التكرير المحلي.. الحلقة الأضعف في السوق السورية
بحسب الرفاعي، تكمن إحدى أبرز مشكلات سوق المحروقات السورية في محدودية قدرة المصافي المحلية بالتزامن مع الحاجة إلى الاستيراد.
وتبلغ الطاقة الإجمالية للمصافي السورية نحو 130 ألف برميل يومياً، إلا أن القدرة التشغيلية الفعلية تبقى محدودة نتيجة أعمال الصيانة وإعادة التأهيل، في حين يقدر الطلب المحلي بما بين 120 و150 ألف برميل يومياً.
وهذا الفارق يجعل السوق بحاجة إلى استيراد نسبة مهمة من احتياجاتها على شكل مشتقات جاهزة، وبالتالي تصبح الأسعار المحلية أكثر ارتباطاً بتكاليف الاستيراد العالمية.
ولا تقتصر الضغوط على جانب التكرير، إذ تتداخل معها عوامل أخرى، منها آلية سعر الصرف المستخدمة في تسعير المحروقات، والتي تهدف إلى ضبط فاتورة الاستيراد، لكنها قد تؤدي في الوقت نفسه إلى تعقيدات مرتبطة بتعدد أسعار الصرف.
كما تساهم تكاليف النقل والتوزيع والبنية اللوجستية في زيادة السعر النهائي، بينما تضيف التوترات الإقليمية مزيداً من الضغوط على تكاليف الشحن والتأمين، خصوصاً عند تعرض طرق التجارة البحرية الرئيسية للاضطراب.
سورية أمام صدمة نفطية مزدوجة
يصف الرفاعي وضع السوق السورية بأنه عرضة لـصدمة مزدوجة، فالارتفاع الأول يأتي من زيادة أسعار الخام التي تنتقل إلى السوق عبر أسعار المشتقات المستوردة، بينما يتمثل الثاني في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والتكرير.
وتتحمل سورية الجزء الأكبر من هذه التكاليف عند استيراد الوقود الجاهز، في ظل محدودية قدرتها على الاستفادة من التكرير المحلي لامتصاص جزء من ارتفاع الأسعار.
في المقابل، تتمتع الدول التي تمتلك قدرة أكبر على تكرير خامها محلياً بمرونة أعلى في مواجهة تقلبات الأسعار، لأنها تتحكم بجزء أكبر من سلسلة القيمة وتستفيد من هامش التكرير بدلاً من دفع كامل تكلفته للموردين.
أما في الحالة السورية، فتتراكم التكاليف بدءاً من سعر الخام، مروراً بالتكرير والشحن والتأمين، وصولاً إلى النقل والتوزيع، ما يجعل أي ارتفاع عالمي أكثر وضوحاً في السعر النهائي للمشتقات.
الخلاصة
ارتفاع أسعار الوقود عالمياً لا يرتبط بسعر الخام وحده، بل هو نتيجة تداخل عدة عناصر تشمل الخام والتكرير والشحن والتأمين والتوزيع.
وفي سورية، تزداد حساسية السوق لهذه المتغيرات بسبب محدودية التكرير المحلي والاعتماد على استيراد المشتقات الجاهزة.
ولذلك، فإن نجاح خطط إعادة تأهيل المصافي وزيادة طاقتها الإنتاجية قد يكون عاملاً أساسياً في تقليل تعرض السوق المحلية للصدمات الخارجية مستقبلاً.
الوطن



