علي الطاهر.. كيف تحدد التلة مصير الحرب في لبنان؟

يعكس إعلان إسرائيل السيطرة العملياتية على مرتفعات “علي الطاهر” في 3 أيلول/سبتمبر 2026 محطة مفصلية في مسار المواجهة، حيث تتجاوز أبعاد هذه السيطرة البُعد الميداني المباشر لتتقاطع مع حسابات إقليمية وانتخابية وديمغرافية معقدة.
عرض هذا المنشور على Instagram
أولاً: الأهمية الجغرافية والعسكرية لمرتفعات علي الطاهر
تتشكل علي الطاهر من سلسلة تلال ترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر، تقع شمال نهر الليطاني وإلى الشرق من مدينة النبطية، وتضم مرتفعات علي الطاهر والدبشة ورأس الطهرة، وترتبط بقلعة الشقيف (التي تبعد عنها 4-5 كم). وتكتسب المرتفعات أهميتها من ثلاثة عوامل رئيسية:

الإشراف المباشر: تُشرف على حواضر جبل عامل، وتكشف مدينة النبطية والنبطية الفوقا وكفرتبنيت، إضافة إلى مساحات من أقضية النبطية ومرجعيون وحاصبيا وصيدا.
الربط والتحكم اللوجستي: تتوسط مناطق ثقل حزب الله وتتحكم بمسارات الوصل بين الجنوب والبقاع.
البوابة للعمق الجبلي: تمثل المقدمة للمجال الجبلي الممتد نحو إقليم التفاح وجبل الريحان، مع صعوبة إحكام العزل عليها لتعدد مسارات الوصول إليها.
ثانياً: الاستراتيجية الإسرائيلية والرواية الإعلامية
استندت المقاربة الإسرائيلية إلى التمدد التدريجي بعد أُطر “الخط الأصفر” (بعمق يصل إلى 10 كم داخل لبنان). ولتهيئة الرأي العام والمجتمع الدولي، اتبعت إسرائيل استراتيجية ثنائية:
التصعيد الإعلامي والسياسي: سوّقت القيادة العسكرية (مثل رئيس الأركان إيال زامير ورئيس شعبة الاستخبارات شلومي بيندر) للمنطقة بوصفها “مركز ثقل” و”منطقة حرجة”، وروجت وسائل الإعلام (مثل القناة 12 وموقع والا) لوجود شبكة أنفاق متفرعة تمتد لأكثر من كيلومتر تُعرف بـ “مركز الأعصاب” أو “المدينة الملجأ” التابعة لوحدة “بدر”، وبمشاركة مهندسين إيرانيين.

العمليات الميدانية: انطلقت العمليات في حزيران/يونيو 2026 عبر الفرقة 36، وشهدت مواجهات كبدت الجيش الإسرائيلي خائر في الأرواح (مثل مقتل قائد الكتيبة 52 في حزيران، واستهداف قوات “يهلوم” و”إيغوز”). وعقب سلسلة غارات وتطويق للمنافذ، أعلنت إسرائيل في 3 أيلول/سبتمبر السيطرة الكاملة وتدمير أكثر من 400 بنية تحتية.
ثالثاً: موقف حزب الله والتكتيك الميداني
تدرج حزب الله في التعامل مع معركة علي الطاهر على مستويين:
المستوى الإعلامي: انتقل من النفي القاطع لسقوط التلة إلى استراتيجية تثبيت المفهوم القائل إن التلة موقع مهم ولكنها ليست مركز الحرب بأكملها، متلهماً أن التهويل الإسرائيلي يهدف إلى صناعة “إنجاز سياسي وانتخابي”.
المستوى الميداني: اعتمد الحزب استراتيجية عدم الاستنزاف المفتوح دون تسليم مجاني، عبر تنفيذ الكمائن والضربات الموضعية لتأخير التقدم، وصولاً إلى الصمت الإعلامي عقب إعلان السيطرة الإسرائيلية في 3 أيلول.
عرض هذا المنشور على Instagram
رابعاً: تقاطع الحسابات الإقليمية والدولية
| الطرف | الموقف والحسابات الرئيسية |
| إسرائيل (نتنياهو) | السعي لاستغلال السيطرة كإنجاز عسكري وانتخابي يُقدم للداخل لرفع أسهمه وإزالة التهديد عن الشمال، مع احتمال التمدد للعمق. |
| الولايات المتحدة (ترامب) | الرغبة في التهدئة وتجنب انفجار إقليمي قبيل الانتخابات النصفية لمنع التأثير على الأسواق وأسعار الطاقة، مع اشتراط سحب سلاح الحزب كبوابة للحلول. |
| إيران | إدارة التوازن دون الانجراف إلى مواجهة شاملة يفرضها التوغل الإسرائيلي، رغم رفع سقف التهديدات الكلامية. |
| الدولة اللبنانية | انسداد أفق التفاوض وسط اشتراط واشنطن وإسرائيل تجريد المنطقة من السلاح، وحرج موقف الوفد المفاوض. |
خامساً: أسباب رفض الحزب والجيش اللبناني طرح “تسليم التلة”
أُجهضت فكرة تسليم المرتفعات للجيش اللبناني كمشروع نموذجي لعدة أسباب:
موقف حزب الله:
- الرفض المبدئي لمعادلة تسليم السلاح شمال الليطاني تحت الضغط العسكري.
- غياب الضمانات لمنع إسرائيل من اختلاق الذرائع واقتحام المنطقة لاحقاً.
- التخوف من إرساء سابقة تتكرر في مناطق ذات أهمية أكبر كإقليم التفاح وجبل الريحان.
- البُعد العقائدي والرمزي في الحفاظ على صورة المقاومة وعدم التراجع.
موقف الجيش اللبناني:
- التخوف من الوقوع في مواجهة مباشرة ومحسومة مع إسرائيل في حال قررت التمدد.
- تفادي خيار الانسحاب الذي قد يضر بصورة المؤسسة العسكرية ودورها المحلي.
المشهد المستقبلي: أزمة مفتوحة
إن السيطرة على “علي الطاهر” لا تنهي جولة الصراع بقدر ما تعيد رسم أسئلته المعقدة: هل تقف إسرائيل عند حدود المرتفعات أم تواصل التمدد شمال الليطاني؟ وكيف سيتشكل مستقبل سلاح حزب الله والدور الميداني للدولة اللبنانية في ظل استمرار ضغط السلاح والمسارات التفاوضية المتعثرة؟
الجزيرة



