فورين بوليسي: معضلة أنقرة مع الصداع الجديد القادم من سوريا

بعد سقوط نظام بشار الأسد، اعتقدت تركيا أنها أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل المشهد السوري بما يخدم مصالحها، خاصة أن النظام الجديد جاء عبر قوى مقربة من أنقرة. لكن سرعان ما تبددت هذه الآمال، إذ لم تفرز المرحلة الجديدة حكومة صديقة، بل أطلقت سباقاً إقليمياً على النفوذ، تقوده إسرائيل بقوة عسكرية ودبلوماسية، في وقت بدأت فيه بعض الأقليات السورية بالمطالبة بالحكم الذاتي، متحدية مركزية السلطة الجديدة في دمشق.
أنقرة وجدت نفسها محاصرة بين حليف أمريكي متردد وشريك روسي غير مستقر، لتتحول سوريا من ورقة رابحة إلى ساحة ألغام سياسية وأمنية. المجلة تشير إلى أن إسرائيل، التي لا تثق بالرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، سارعت إلى توسيع نفوذها فور انهيار النظام السابق، عبر السيطرة على مواقع عسكرية في الجولان، وتنفيذ غارات جوية على أهداف سورية، وإنشاء نقاط عسكرية داخل الأراضي السورية.
هذه التحركات، التي وصفتها إسرائيل بأنها دفاعية، اعتبرتها تركيا تهديداً مباشراً لعملية السلام التي كانت تسعى إليها مع حزب العمال الكردستاني، خاصة أن إسرائيل بدأت تظهر كقوة إقليمية مهيمنة، لا تتردد في استهداف إيران وحلفائها، بل وصلت إلى حد ضرب مواقع في قطر، أحد أبرز حلفاء أنقرة.
التقرير يوضح أن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تعد كما كانت في التسعينيات، حين دخل البلدان في شراكة استراتيجية ضد إيران وسوريا. اليوم، إسرائيل أقل اعتماداً على تركيا، وأكثر قدرة على فرض رؤيتها في المنطقة، ما يجعلها مصدر قلق دائم لصناع القرار في أنقرة.
أزمة السويداء جاءت لتقضي على ما تبقى من طموحات تركيا في سوريا، إذ تحولت حادثة خطف إلى موجة عنف طائفي، فشلت الحكومة السورية المؤقتة في احتوائها، وواجهت اتهامات بانتهاكات ضد المدنيين. إسرائيل استغلت الفوضى، ونفذت ضربات جوية على مواقع حكومية، ما أدى إلى انسحاب القوات السورية من السويداء.
هذه التطورات دفعت الأقليات، وعلى رأسها الكرد، إلى التشكيك في مركزية الحكم، والمطالبة بالحكم الذاتي، وهو ما يهدد جهود أنقرة في دمج القوات الكردية ضمن الدولة السورية الجديدة. حزب العدالة والتنمية وحلفاؤه القوميون يخشون من تصاعد هذه المطالب، خاصة مع التزام إسرائيل بحماية الأقليات، ما يقوض السردية التركية حول هزيمة حزب العمال الكردستاني.
أنقرة حاولت احتواء الأزمة عبر وساطة أمريكية، حيث ضغط السفير الأمريكي توم باراك على الكرد لعقد اتفاق مع دمشق، والحد من العمليات الإسرائيلية، لكن هذه الجهود لم تحقق نتائج ملموسة. ومع تصاعد التحديات، عادت تركيا إلى خيار التدخل العسكري، وطلب الدعم من روسيا.
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لوّح بعمل عسكري ضد القوات الكردية في حال سعيها لتقسيم سوريا، في وقت بدأت فيه أنقرة بتعزيز علاقاتها مع دمشق وموسكو، على أمل أن يشكل النفوذ الروسي توازناً أمام التمدد الإسرائيلي، ويمنع استقلال الكرد. لكن هذه المناورات تحمل مخاطر كبيرة، خاصة أن أي عملية عسكرية قد تعزز موقف المتشددين داخل حزب العمال الكردستاني، وتضر بصورة تركيا أمام الغرب.
التقرير يشير إلى أن روسيا لم تعد شريكاً موثوقاً، إذ وقفت موقف المتفرج أمام ضربات إسرائيل لمواقع إيرانية، ولم تدرج حزب العمال الكردستاني على قائمة الإرهاب، بل سمحت للكرد بفتح مكتب تمثيلي في موسكو. هذا التقارب بين دمشق وموسكو قد يؤدي إلى عزلة تركيا، ويضعف فرص الرئيس الشرع في الحصول على دعم دولي لإعادة الإعمار، خاصة أن القاعدة الشعبية السورية لا تزال تنظر إلى روسيا بعين الريبة بسبب دعمها للنظام السابق.



