الإنفاق العام في سورية.. تعافٍ أم تأجيل للعجز؟

دخلت السياسة المالية السورية خلال عام 2026 مرحلة مختلفة، مع انتقال الحكومة من سياسة مالية أكثر تحفظاً إلى زيادة الإنفاق بهدف تمويل الخدمات العامة ورفع الأجور ودعم الاستثمار وإعادة الإعمار.
ويرى الخبير في الاستراتيجيات المالية والمخاطر الدكتور صالح أشرم أن قراءة الإنفاق الحكومي خلال العام الحالي يجب أن تتم في إطار التحولات الاقتصادية التي تمر بها سوريا، مشيراً إلى أن موازنة 2025 حققت فائضاً مالياً للمرة الأولى منذ عام 1990، وإن كان فائضاً محدوداً.
أما في 2026، فقد اتجهت الدولة نحو سياسة مالية أكثر توسعاً استجابة لحاجات الاقتصاد والمرحلة الانتقالية.
زيادة الإنفاق ليست المشكلة بحد ذاتها
لا يرى أشرم أن ارتفاع الإنفاق الحكومي يمثل مشكلة بحد ذاته، خصوصاً في اقتصاد يعاني منذ سنوات من الانكماش وتضرر البنية التحتية.
فزيادة الإنفاق قد تكون ضرورية لدعم الخدمات وتحريك النشاط الاقتصادي وتمويل الاستثمارات التي تساعد على بناء قاعدة للتعافي.
لكن التحدي يكمن في كيفية توزيع هذه الأموال، إذ يجب توجيهها نحو الخدمات الأساسية والاستثمارات القادرة على زيادة الإنتاجية وتوسيع النشاط الاقتصادي.
ويحذر أشرم من أن ضعف المردود الذي يلمسه دافعو الضرائب في الخدمات العامة قد يشجع على التهرب الضريبي، ويؤدي بالتالي إلى تراجع الثقة بين المواطن والحكومة.
الإنفاق الاستثماري يحتاج إلى معيار واضح
ويعتبر الخبير أن تقييم الإنفاق الاستثماري يجب ألا يعتمد فقط على حجم الأموال التي جرى إنفاقها، وإنما على العائد الاقتصادي والاجتماعي للمشروعات.
فالمشروع الاستثماري الناجح هو الذي يرفع الإنتاجية، أو يقلل تكلفة النشاط الاقتصادي، أو يساهم مستقبلاً في توسيع القاعدة الضريبية والإيرادات الحكومية.
وفي الوقت نفسه، يشير أشرم إلى أن أرقام الإنفاق المسجلة خلال النصف الأول من 2026 لا تعكس بالضرورة كامل الالتزامات التي ستتحملها الخزينة خلال العام.
فقد شهد العام زيادات في الأجور والتعويضات، إلى جانب زيادات لاحقة في الرواتب والمعاشات، ما يعني أن الأثر المالي الكامل لهذه القرارات سيظهر بصورة أكبر خلال النصف الثاني من العام.
وبالتالي، لا ينبغي اعتبار رقم الإنفاق البالغ 3.7 مليارات دولار سقفاً نهائياً للإنفاق الحكومي خلال 2026.
العجز.. كيف سيتم تمويله؟
وبالنسبة إلى العجز المالي، يرى أشرم أن وجود عجز لا يمثل مشكلة تلقائياً، لكن الوصول إلى نحو 56% من العجز السنوي المخطط خلال ستة أشهر يستدعي متابعة دقيقة، خصوصاً مع احتمال ارتفاع الالتزامات خلال النصف الثاني من العام.
ويؤكد أن طبيعة تمويل العجز لا تقل أهمية عن حجمه.
فإذا استخدمت أدوات قصيرة الأجل لتمويل استثمارات منتجة تحقق عائداً اقتصادياً واضحاً، وبقي استخدامها محدوداً، فقد تكون وسيلة انتقالية مقبولة.
لكن المخاطر ترتفع عندما تتحول هذه الأدوات إلى وسيلة دائمة لتمويل النفقات الجارية، لأن الدولة في هذه الحالة تؤجل المشكلة بدلاً من خلق موارد مستقبلية تساعد على سداد الالتزامات.
خطر إعادة التمويل
من أبرز المخاطر التي يحذر منها أشرم ما يعرف بـ«مخاطر إعادة التمويل»، أي أن تجد الخزينة نفسها مضطرة إلى إصدار أدوات دين جديدة لسداد أدوات سابقة.
ومع تكرار العملية، يتحول التمويل قصير الأجل من حل مؤقت إلى حلقة متواصلة من الاقتراض.
ولهذا، فإن استخدام أدوات الدين يحتاج إلى ارتباط واضح بمشروعات أو موارد قادرة على توليد إيرادات مستقبلية، وليس استخدامها بصورة متكررة لتغطية نفقات جارية دائمة.
هل تتحسن الإيرادات خلال النصف الثاني؟
في المقابل، من المتوقع أن تشهد الإيرادات تحسناً خلال النصف الثاني من العام مع دخول بعض مصادر الدخل الجديدة أو المتأخرة إلى الحسابات، ومنها عائدات النفط وعقد «زين» للاتصالات.
وبالتالي، لا يمكن تعميم نتائج الأشهر الستة الأولى على كامل عام 2026 من دون الأخذ في الاعتبار التغيرات المتوقعة في الإيرادات والإنفاق.
لكن أشرم يشدد على ضرورة عدم بناء الاستدامة المالية على توقعات غير مؤكدة، مؤكداً أن المطلوب هو إنشاء مصادر إيرادات متكررة ومستدامة ترتبط بنمو الاقتصاد وتوسع القاعدة الإنتاجية.
من فائض 2025 إلى إنفاق توسعي في 2026
وتبرز المقارنة بين العامين بوصفها مؤشراً مهماً على تغير السياسة المالية.
فبعد تسجيل أول فائض في الموازنة منذ عقود خلال عام 2025، انتقلت سوريا في 2026 إلى سياسة مالية توسعية لتمويل التعافي وإعادة الإعمار وتحسين الخدمات.
ولا يعتبر أشرم أن الانتقال من الفائض إلى العجز يعني بالضرورة تراجعاً في الإدارة المالية، فقد يكون انعكاساً طبيعياً للانتقال من مرحلة ضبط المالية العامة إلى مرحلة تحتاج فيها الدولة إلى إنفاق أكبر لدعم التعافي وإعادة بناء الاقتصاد.
لكن نجاح هذه السياسة سيبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين تمويل الاحتياجات الحالية والحفاظ على استدامة المالية العامة، بحيث لا يتحول الإنفاق التوسعي إلى عبء أكبر على الخزينة في السنوات المقبلة.
الوطن



