5 مليارات دولار.. هل ينقذ الاستثمار المحلي اقتصاد سورية؟

تواجه سورية في مرحلة التعافي الاقتصادي حاجة متزايدة إلى تحريك الاستثمارات المحلية، في ظل اتساع فجوة التمويل وتراجع حجم الاقتصاد خلال سنوات الحرب، إلى جانب محدودية تدفقات الاستثمار الأجنبي مقارنة بحجم احتياجات إعادة الإعمار.
ويرى الباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر أن الاعتماد على رأس المال المحلي ومدخرات السوريين في الداخل والخارج لم يعد مجرد خيار إضافي، بل أصبح ضرورة اقتصادية لتمويل مرحلة إعادة البناء وتحريك القطاعات الإنتاجية وخلق فرص العمل.
فجوة استثمارية ضخمة
وقال اسمندر إن سنوات الحرب تركت فجوة اقتصادية واستثمارية واسعة، إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي السوري من نحو 68 مليار دولار عام 2011 إلى قرابة 10 مليارات دولار عام 2024.
وفي المقابل، تتجاوز تقديرات كلفة إعادة الإعمار 216 مليار دولار، بينما ترفع تقديرات أخرى صادرة عن «الإسكوا» حجم الاحتياجات إلى نحو 400 مليار دولار.
وأوضح أن أكثر من نصف البنية التحتية السورية تعرضت للدمار أو الأضرار، في قطاعات حيوية تشمل الكهرباء والمياه والطرق والمستشفيات والمدارس، في وقت تراجع فيه الاستثمار الأجنبي المباشر من نحو ملياري دولار عام 2011 إلى أقل من 50 مليون دولار في عام 2024.
وبحسب اسمندر، فإن عودة الاستثمار الأجنبي حتى إلى نصف مستواه السابق، أي نحو مليار دولار سنوياً، لن تغطي سوى نسبة محدودة جداً من احتياجات إعادة الإعمار، الأمر الذي يفرض البحث عن مصادر تمويل داخلية.
قطاعات واعدة بعوائد مرتفعة
ويرى اسمندر أن أفضل فرص الاستثمار المحلي تتركز في القطاعات المرتبطة بالاحتياجات الأساسية للسكان، وفي مقدمتها الزراعة والصناعات الغذائية والطاقة والدواء.
ويشير إلى أن السوريين ينفقون أكثر من 45% من دخولهم على الغذاء، في وقت تراجع فيه إنتاج القمح من نحو 4 ملايين طن قبل عام 2011 إلى أقل من مليون طن حالياً، ما يدفع البلاد إلى استيراد أكثر من 2.5 مليون طن سنوياً بتكلفة تتجاوز 800 مليون دولار.
كما يعتبر أن مشاريع الطاقة الشمسية تمثل فرصة استثمارية ذات جدوى مرتفعة، إذ قد تتراوح فترة استرداد رأس المال في سوريا بين سنتين وثلاث سنوات بسبب ارتفاع تكاليف الكهرباء وعدم استقرارها، مقارنة بفترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات في الدول ذات أنظمة الطاقة المستقرة.
وفي قطاع الصناعات الغذائية، يقدر اسمندر هوامش الربح الصافي في المنتجات الأساسية بما بين 15 و25% نتيجة استمرار الطلب عليها، مقابل هوامش تتراوح غالباً بين 5 و10% في تجارة السلع الكمالية.
أما القطاع الدوائي، فيصفه بأنه من المجالات الواعدة، بعد أن كانت سورية تغطي نحو 90% من احتياجاتها الدوائية محلياً قبل عام 2011، في حين تعرض أكثر من 40% من المنشآت الدوائية للتوقف أو الضرر، وفق مسح أجري عام 2023.
عقبات تواجه المستثمرين
ورغم الفرص المتاحة، لا تزال بيئة الاستثمار المحلية تواجه تحديات كبيرة، أبرزها تقلبات سعر الصرف والتضخم وارتفاع أسعار الطاقة وصعوبة الحصول على التمويل وتعقيد الإجراءات الإدارية.
ويلفت اسمندر إلى أن الحصول على ترخيص صناعي قد يستغرق أكثر من 200 يوم، ما يؤدي إلى هدر الوقت وزيادة التكاليف، بينما قد تتجاوز الضمانات المطلوبة للحصول على التمويل 150% من قيمة القرض.
كما تشكل هجرة الكفاءات نقصاً إضافياً في سوق العمل، حيث يؤدي تراجع أعداد العمال والفنيين المهرة إلى ارتفاع أجورهم وزيادة كلفة إنشاء المشاريع وتشغيلها.
مقترحات لتحريك رأس المال المحلي
ويقترح اسمندر إنشاء صندوق لضمان القروض برأسمال يبلغ 100 مليون دولار، إلى جانب توسيع برامج تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
كما يدعو إلى إعفاء المشاريع الإنتاجية من الضرائب خلال السنوات الخمس الأولى من عملها، وخفض الرسوم الجمركية على مستلزمات الإنتاج من متوسط يبلغ 15% إلى نحو 1%.
ويعتقد أن توجيه 10% فقط من تحويلات السوريين في الخارج، المقدرة بنحو ملياري دولار سنوياً، نحو مشاريع إنتاجية عبر قنوات رسمية وآمنة، يمكن أن يوفر قرابة 200 مليون دولار.
ومن شأن هذا المبلغ، وفق تقديراته، تمويل أكثر من 4 آلاف مشروع صغير بمتوسط 50 ألف دولار لكل مشروع.
كما يشدد على أهمية تقليص مدة الحصول على التراخيص من أكثر من 200 يوم إلى أقل من شهر، وتبسيط الإجراءات الإدارية لتحسين بيئة الأعمال وجذب رؤوس الأموال.
5 مليارات دولار من الاستثمارات خلال ثلاث سنوات
يقدر اسمندر حجم الفجوة الاستثمارية السنوية في القطاعات الحيوية بما لا يقل عن 10 مليارات دولار، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود أكثر من 30 مليار دولار من رؤوس الأموال المحلية الخاملة، موزعة بين مدخرات عائلية وأموال لدى المغتربين وأصول عقارية غير مستغلة.
ويرى أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال يمكن تحويله إلى استثمارات منتجة في حال توافر ضمانات قانونية واضحة وحوافز اقتصادية مناسبة.
وبحسب تقديراته، فإن حزمة إصلاحات سريعة تشمل ضمان القروض، والإعفاءات، وتحسين واقع الطاقة، بتكلفة لا تتجاوز 500 مليون دولار، قد تسهم في تحفيز استثمارات محلية تصل إلى نحو 5 مليارات دولار خلال ثلاث سنوات.
ويخلص اسمندر إلى أن إعادة بناء الاقتصاد السوري لا يمكن أن تعتمد على المساعدات الخارجية والاستثمار الأجنبي وحدهما، بل تتطلب تعبئة المدخرات المحلية وتحويلات السوريين في الخارج وتحويلها من أموال خاملة إلى مشاريع إنتاجية قادرة على خلق فرص العمل ودعم النمو الاقتصادي.
الوطن



