مصادر تكشف تفاصيل عن تفاهمات بين دمشق والقوى المحلية في السويداء.. والتدخل الإسرائيلي يعقد التوصل لتسوية نهائية

أفادت مصادر من دمشق والسويداء لـ”عربي بوست” بحدوث تقدم في الاتصالات بين الحكومة السورية والقوى المحلية في المحافظة جنوبي سوريا، بهدف إعادة المؤسسات الحكومية إلى العمل وربطها بالوزارات في دمشق، بالتزامن مع تفاهمات حول البلديات وجهاز الشرطة وخطة تنموية للمحافظة، في وقت تشهد فيه القوى المحلية خلافات أمنية ومالية متزايدة.
وقال مصدر دبلوماسي سوري رفيع للوكالة، إن الاتصالات حققت تقدماً في إعادة المؤسسات إلى العمل وفق التسلسل الإداري الحكومي، فيما بات ملف البلديات “شبه منتهٍ”، باستثناء أربع بلديات لا تزال قيد التفاوض، بالتوازي مع العمل على تشكيل مجلس جديد للمحافظة. ووفق المعلومات، أصبحت معظم المؤسسات في السويداء مرتبطة بالوزارات التابعة لها، وبدأ بعضها بتقديم احتياجاته ضمن خطة عام 2027، مع استمرار بعض التعقيدات في قطاعي التربية والكهرباء.
وأشارت مصادر محلية إلى أن التدهور المعيشي خلال العام الماضي 2025 ساهم في دفع هذا المسار، خصوصاً مع تزايد الاعتراضات داخل المحافظة على تعطيل المؤسسات وطريقة إدارة المساعدات والوقود والطحين والأدوية.
أما التقدم الأهم، وفقاً لمصدر في وزارة الداخلية السورية، فيتعلق بالملف الأمني، حيث يجري العمل على إعادة تفعيل جهاز الشرطة وربطه مباشرة بالوزارة، على أن يتم اختيار عناصره بصورة أساسية من أبناء السويداء. وأوضح المصدر أن الاختيار سيجري من نحو أربعة آلاف شخص سبق أن تقدموا بطلبات انتساب قبل أحداث المحافظة، مع طرح صيغة تقضي بوجود نحو 20 عنصراً لكل خمسة آلاف نسمة، على أن ينتشر أبناء المناطق نفسها فيها ويتقاضوا رواتبهم من وزارة الداخلية.
في المقابل، لا يزال ملف “الحرس الوطني” والفصائل المسلحة مؤجلاً، ولم يتحقق تقدم جدي في مسألة دمجها أو معالجة سلاحها، بحسب المصادر، التي أضافت أن دمشق اختارت عدم ربط عودة المؤسسات والشرطة بالتوصل إلى حل مسبق للسلاح، والعمل بدلاً من ذلك على إعادة وظائف الدولة تدريجياً.

وتكتسب هذه الصيغة أهمية إضافية بسبب العامل الإسرائيلي، إذ إن تشكيل شرطة من أبناء السويداء يسمح لدمشق بإعادة حضورها الأمني من دون إرسال تشكيلات عسكرية كبيرة يمكن أن تؤدي إلى مواجهة داخلية أو تدخل إسرائيلي جديد. ومنذ مواجهات يوليو/تموز 2025، بدأ التدخل الإسرائيلي في السويداء، حيث ضرب جيش الاحتلال القوات السورية تحت مزاعم حماية الدروز، مسهماً في الحد من قدرة دمشق على توسيع سلطتها داخل المحافظة.
وقالت الوكالة الأوروبية للجوء في تقييمها الصادر في يوليو/تموز 2026 إن معظم السويداء لا يزال خارج سيطرة الحكومة، وإن التهديد بتدخلات إسرائيلية جديدة كان أحد العوامل التي حدت من سلطة دمشق. وتشير تقديرات أوروبية وبريطانية حديثة إلى استمرار نفوذ التشكيلات الدرزية المسلحة، مع ورود تقارير عن دعم إسرائيلي لبعضها بعد أحداث 2025.
ووفقاً لمصادر مطلعة على الاتصالات، فإن أحد الأسئلة الأساسية في المرحلة المقبلة سيكون حدود العودة الأمنية السورية المقبولة إسرائيلياً: هل تقتصر على الشرطة والأمن المحلي، أم يمكن أن تتطور لاحقاً إلى عودة الجيش والمؤسسات العسكرية؟ وتحاول دمشق، وفق المصادر، تجنب اختبار هذا السؤال حالياً، ولذلك تفصل بين عودة الشرطة والمؤسسات المدنية وبين ملف “الحرس الوطني” والسلاح.
لكن الحساب الإسرائيلي لا يتعلق بالأمن فقط، فمع اقتراب انتخابات الكنيست، أصبحت قضية دروز سوريا أكثر قابلية للدخول في المنافسة بين الأحزاب الإسرائيلية، نظراً لأهمية استمالة الأصوات الدرزية في إسرائيل. وسبق أن أفادت “هآرتس” في 16 أغسطس/آب بأن أعداداً متزايدة من دروز الجولان، الذين رفض قسم كبير منهم تاريخياً الجنسية الإسرائيلية والمشاركة السياسية، يستعدون للمشاركة في الانتخابات، فيما يربط بعضهم هذا التحول بالتدخل العسكري الإسرائيلي بزعم حماية الدروز في سوريا خلال أحداث العام الماضي.
وعلقت المصادر الدبلوماسية السورية بالقول إن هذا العامل سيكون أكثر حساسية كلما اقترب موعد الانتخابات، لأن أي حزب إسرائيلي كبير لن يرغب في الظهور أمام الناخب الدرزي باعتباره أقل التزاماً من منافسيه بـ”حماية دروز سوريا”.
في المقابل، تتزامن التفاهمات مع تصاعد مشكلات داخل البنية الأمنية القائمة في السويداء. فوفقاً لمصدر في وزارة الداخلية السورية، اندلعت خلافات بين ميليشيا الحرس الوطني واللجنة الأمنية على خلفية أموال أرسلها متبرعون دروز مقيمون في الإمارات لدعم التشكيلات العسكرية والأمنية، حيث نشب خلاف حول اقتطاع جزء كبير من التحويلات وآلية توزيع الأموال، ما أدى إلى توتر واتهامات متبادلة بشأن إدارة الموارد.
كما يستمر التوتر بين “حركة رجال الكرامة” التي يتزعمها رجل الدين الدرزي ليث البلعوس، واللجنة الأمنية، مع تسجيل اعتقالات لعناصر من الحركة على طريق قنوات، ورفض قيادة “رجال الكرامة” سابقاً عقد اجتماع مع سلمان الهجري رغم أن المبادرة جاءت بتوجيه من الشيخ حكمت الهجري. وترافقت الخلافات مع اشتباكات في محور الزيتون ومحاولة مجموعة مسلحة الوصول إلى مستودعات أسلحة قرب مطار خلخلة، إضافة إلى تزايد نشاط شبكات الخطف للحصول على فدى مالية.
وقالت المصادر إن هذه التطورات تزيد الضغط الداخلي للوصول إلى صيغة تعيد جزءاً من الأمن والخدمات إلى مؤسسات رسمية، بدلاً من استمرار تعدد مراكز القرار. وخلصت المصادر إلى أن التفاهمات الحالية لا تعني أن أزمة السويداء اقتربت من الحل، فمعظم المحافظة لا يزال تحت نفوذ القوى المحلية، لكن الجديد هو محاولة دمشق تغيير طريقة التعامل مع الملف، عبر إعادة البلديات والمؤسسات والخدمات أولاً، ثم الشرطة من أبناء المحافظة، وتأجيل الجيش وسلاح الفصائل إلى مرحلة لاحقة، في انتظار اختبار داخلي يتعلق بقدرة الحكومة والقوى المحلية على تنفيذ التفاهمات، وآخر إسرائيلي يتعلق بالحدود التي ستقبل بها تل أبيب لعودة الدولة السورية إلى المحافظة.
عربي بوست



