المصارف الإسلامية في سورية.. هل قدمت نموذجاً مختلفاً أم اكتفت بتغيير الصيغة؟

بعد قرابة عقدين على بدء تجربة المصارف الإسلامية في سورية، لا يزال الجدل قائماً حول مدى نجاحها في تقديم نموذج مصرفي مختلف فعلاً، ومدى ابتعاد ممارساتها عن المصارف التقليدية، رغم اختلاف العقود والصيغ المستخدمة.
تجربة بدأت عام 2006
يقول أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد، في حديث لـ«الوطن»، إن تجربة المصارف الإسلامية السورية انطلقت رسمياً عام 2006، استجابة للطلب على خدمات مصرفية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وتضم السوق السورية حالياً ثلاثة مصارف إسلامية خاصة، هي بنك البركة الإسلامي، وبنك سورية الدولي الإسلامي، وبنك الشام الإسلامي.
اختلاف في العقود.. وتشابه في التطبيق
وأوضح محمد أن المصارف الإسلامية تعتمد على صيغ تمويل مختلفة عن الإقراض القائم على الفائدة، من بينها المرابحة والمضاربة والمشاركة والإجارة، بحيث يرتبط التمويل بأصول أو أنشطة اقتصادية حقيقية.
لكن الممارسة العملية، بحسب رأيه، أظهرت تقارباً نسبياً مع نموذج المصارف التقليدية، نتيجة الاعتماد الكبير على المرابحة وقصر آجال التمويل، مقابل محدودية استخدام صيغ المشاركة الفعلية في الأرباح والخسائر.
ويرى أن هذا الواقع يقلل من الأثر الاقتصادي المختلف الذي يفترض أن تقدمه المصارف الإسلامية، خصوصاً في مجال الاستثمار وتقاسم المخاطر.
قوة مالية لا تعني بالضرورة أثراً تنموياً
وأشار الخبير المصرفي إلى أن دراسة تطبيقية تناولت أداء المصارف الإسلامية السورية خلال الفترة بين 2011 و2020 أظهرت امتلاكها درجة جيدة من المرونة المالية وقدرة على التعامل مع الأزمات.
ووفق الدراسة، سجل بنك الشام أفضل أداء في معظم سنوات الفترة المدروسة، تلاه بنك سورية الدولي الإسلامي ثم بنك البركة.
إلا أن المتانة المالية، بحسب محمد، لا تكفي وحدها للحكم على نجاح النموذج الإسلامي من الناحية التنموية، في ظل استمرار تحديات تتعلق بالتمويل الاستثماري، ونقص الكوادر المتخصصة، وتطوير الأدوات المالية الإسلامية، وإدارة المخاطر.
السوق السورية تحتاج إلى تطوير النوعية
ويرى محمد أن الأولوية في المرحلة المقبلة لا تتمثل في زيادة عدد المصارف الإسلامية، وإنما في تطوير المؤسسات القائمة وتنويع منتجاتها وتعزيز المنافسة بينها.
كما يشدد على ضرورة توجيه نسبة أكبر من التمويل نحو القطاعات الإنتاجية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بدلاً من التركيز على التمويلات قصيرة الأجل.
من بديل للفائدة إلى محرك للتنمية
ويؤكد أن القيمة الحقيقية للمصارف الإسلامية تظهر عندما تسهم بصورة مباشرة في تمويل الصناعة والزراعة والخدمات والمشروعات المنتجة، مع توسيع نطاق المشاركة في المخاطر والأرباح.
ويخلص محمد إلى أن التجربة السورية نجحت في توفير بديل مصرفي متوافق مع الشريعة ويحظى بقبول شريحة من المتعاملين، لكنها لم تتحول حتى الآن إلى محرك رئيسي للتنمية الاقتصادية أو مصدر واسع لتمويل الاستثمارات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
ويرى أن المرحلة المقبلة تتطلب تطوير المنتجات المصرفية الإسلامية، وتأهيل الكوادر، وتعزيز الشفافية والرقابة الشرعية، إلى جانب توفير بيئة نقدية ومالية مساندة، بما يسمح بتحويل المصارف الإسلامية من مجرد بديل للتمويل القائم على الفائدة إلى أداة أكثر فاعلية لتمويل الاقتصاد الحقيقي.
الوطن



