“إذا رأيتموني فابكوا”.. أنهار ألمانيا تلفظ “حجارة الجوع” وأسرارا أخرى

عادت “حجارة الجوع” للظهور مجدداً هذا الصيف في قيعان أنهار وسط أوروبا، وعلى رأسها إلبه والدانوب والراين، محملة بعبارات تاريخية منقوشة مثل “إذا رأيتموني فابكوا” و”لقد بكينا وأنتم ستبكون”. ورغم أن هذه التحذيرات انطوت تاريخياً على الخوف من المجاعة ونقص المياه، إلا أن ظهورها في ألمانيا اليوم لم يعد نذيراً بمجاعة، نظراً لامتلاك البلاد نظاماً غذائياً متكاملاً وبنية اقتصادية قوية. وقد تحول ظهور هذه الحجارة -والتي يعود أشهرها لنقش عام 1616 على نهر إلبه بين التشيك وألمانيا- إلى رمز حديث لظاهرة الجفاف والتغير المناخي، وسط تداعيات ملموسة تؤثر على الحياة اليومية للمواطنين.
ارتفاع تكاليف النقل النهري وأزمة سلاسل الإمداد
تسبب انخفاض مناسيب المياه في عرقلة حركة الملاحة النهرية. ونقل موقع “تاغسشاو” عن توماس بولس، المسؤول بمعهد الاقتصاد الألماني، أن أسعار نقل البضائع من منطقة الراين باتجاه ميناء روتردام قفزت إلى نحو 4 أضاف؛ بسبب اضطرار السفن للإبحار بحمولات خفيفة جداً.
وأوضح بولس أن انقطاع طرق النقل عبر الراين بات وشيكاً، مع صعوبة تحويل البضائع نحو الطرق البرية والسكك الحديدية إلا جزئياً وبكلفة مرتفعة، مما دفع بعض الشركات لإعلان نيتها خفض الإنتاج. وتنعكس هذه الارتفاعات مباشرة على أسعار الوقود في المناطق المحاذية للراين مقارنة ببقية الولايات، إضافة إلى قطاع البناء.
ضغوط على أسعار الخضراوات والقطاع الزراعي
يمتد أثر الجفاف إلى المتاجر والأسواق، حيث ارتفعت أسعار الخضراوات الطازجة والبطاطس المعتمدة على الحقول المفتوحة جراء تراجع المعروض، شملت الخس والملفوف والبروكلي والقرنبيط والجزر.
ورداً على هذه التحديات، أوضحت غرفة الزراعة في ولاية شمال الراين وستفاليا أن المزارع الألمانية بدأت التكيف عبر تغيير أساليب الزراعة، واستخدام أصناف نباتية أكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية الجديدة، وزراعة أصناف متعددة لتوزيع المخاطر.
انتقادات سياسية وتحذيرات من “القبول بالواقع”
سلطت مجلة “دير شبيغل” الضوء على البعد السياسي للأزمة في مقال بعنوان “وصلنا إلى المرحلة الأخيرة من الهلاك”، مشيرة إلى أن ألمانيا وصلت لمرحلة “القبول بالواقع المناخي الجديد” والتعايش معه بدلاً من تغييره، والتعامل مع تحذيرات العلماء على أنها “وضع طبيعي جديد”.
واعتبرت المجلة أن تصريح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بشأن ضرورة تعلم التعايش مع تداعيات التغير المناخي يعكس استسلاماً للظروف المتدهورة، محذرة من أن سياسة تجاهل المشكلة والاستمرار في انتظار الأمطار تهدد بفقدان مورد أساسي للحياة وتضر بالصحة والاقتصاد على المدى المتوسط.
فاتورة اقتصادية يقتطعها الجفاف
من جانبها، أكدت مجلة “فوكوس” في مقال بعنوان “نهر الراين يجف ونحن ندفع الثمن” أن الجفاف تحول من قضية بيئية إلى مشكلة اقتصادية تمس المواطنين؛ حيث يرفع تراجع الملاحة تكاليف نقل الفحم، المواد الكيميائية، الحبوب، والوقود.
كما يتأثر إنتاج الكهرباء بسبب اعتماد بعض محطات الطاقة على مياه الأنهار للتبريد، فضلاً عن ارتفاع تكاليف توفير مياه الشرب والري. ورغم أن إمدادات المياه والمواد الغذائية لا تزال مضمونة على المستوى الوطني عبر الاستيراد ولا توجد مخاطر مجاعة شمولية، إلا أن تكرار موجات الجفاف يجعل الاقتصاد الألماني أكثر هشاشة، محولاً “حجارة الجوع” من نذير مجاعة قديم إلى فاتورة اقتصادية يدفعها المجتمع تدريجياً.
الجزيرة



