هل انتهى شهر العسل بين ترمب وبوتين؟

في مشهد يعكس تحولاً دراماتيكياً في السياسة الخارجية الأميركية، لم تمضِ أشهر قليلة على عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض حتى بدا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على رأس قائمة خصومه المحتملين، وسط هجمات شرسة من قاعدة “ماغا” المحافظة التي حملته مسؤولية إطالة أمد الحرب مع روسيا، وانتقدت الدعم العسكري المفرط الذي قدمته إدارة بايدن. لكن سرعان ما انقلبت الموازين، مع تغيرات في الموقف الأميركي وجهود دبلوماسية أوكرانية ذكية، إضافة إلى تحولات داخل حركة “ماغا” نفسها.
خلفيات الصدام الأميركي – الأوكراني
منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، كانت المؤشرات جميعها تنذر بمواجهة مفتوحة بين واشنطن وكييف، في مقابل تقارب ملحوظ بين البيت الأبيض والكرملين. وفي فبراير 2025، اندلعت مشادة عاصفة بين ترمب وزيلينسكي داخل المكتب البيضاوي، أعقبها إيقاف بعض المساعدات العسكرية الأميركية، بينما شهدت العلاقة مع بوتين تقارباً بلغ ذروته خلال قمتهما في ألاسكا أغسطس الماضي.
جهود زيلينسكي لإعادة بناء العلاقة
لم تكن مواجهة المكتب البيضاوي معزولة عن خطاب ترمب المعتاد، الذي وصف زيلينسكي بـ”الديكتاتور” وشكك في شرعيته للمشاركة في محادثات السلام. لكن الرئيس الأوكراني انتهج استراتيجية ذكية لتجنب الصدام العلني، تجلت بوضوح خلال لقائه المنفرد مع ترمب في الفاتيكان، على هامش جنازة البابا فرنسيس في أبريل 2025، حيث وصف اللقاء بأنه لحظة تاريخية غيّرت طبيعة العلاقة في ربع ساعة فقط.
صفقة المعادن.. بوابة كييف إلى قلب ترمب
خاطبت كييف ترمب بلغته المفضلة القائمة على الصفقات والمصالح المباشرة. فبعد خلافات حول مطالبة واشنطن بنصيب من المعادن الحيوية الأوكرانية، توصل البلدان في مايو 2025 إلى اتفاق يسمح للولايات المتحدة بالاستثمار في هذه الموارد. الاتفاق المعدل منح ترمب مصلحة اقتصادية في استمرار العلاقة، وساعد كييف في تقديم نفسها كشريك استثماري وأمني، وليس دولة تعتمد فقط على المساعدات.
انقلاب لومر.. من النازية إلى الإشادة بالقائد
على مدى أعوام، رددت الناشطة اليمينية المقربة من ترمب، لورا لومر، روايات روسية، ووصفت زيلينسكي بـ”النازي الحقيقي”. لكن زيارتها إلى أوكرانيا قلبت موقفها رأساً على عقب، حيث أمضت ليلة في ملجأ للقصف، وزارت مواقع استهدفتها المسيّرات الروسية، والتقت مسؤولين وقادة دينيين.
وكتبت لمتابعيها البالغ عددهم نحو مليوني شخص: “عشت للتو أول غارة جوية لي في أوكرانيا… كثيراً ما قلت إنني لا أكترث، وبالنظر إلى الوراء لم يكن ذلك قولاً لطيفاً مني”. واعتذرت عن تهوينها من معاناة الأوكرانيين، وأقرت بأنها وقعت ضحية حملة تضليل روسية، وأشادت بزيلينسكي بوصفه “قائد حرب” وأوكرانيا بـ”حليف أساس”.
تحولات داخل “ماغا”.. أصوات مؤثرة تغير موقفها
لا تقتصر التحولات على لومر، فالمعلق اليميني تيم بول، الذي وصف أوكرانيا قبل عامين بـ”العدو” وطالب بوقف دعمها، عاد ليكتب أنها “تقاتل من أجل بقائها في مواجهة ديكتاتور شرير”، داعياً ترمب والشعب الأميركي إلى مساندتها.
ورغم أن هذه المواقف لا تعني تحول حركة “ماغا” بأكملها إلى تأييد أوكرانيا، فإنها تكشف عن أن الصورة التي حصرت كييف في موقع الدولة الفاسدة والمستنزفة للأموال الأميركية، بدأت تفقد تماسكها داخل دوائر محافظة مؤثرة.
أوكرانيا.. شريك تكنولوجي وليس مجرد متلقٍ للمساعدات
تزامن تحول بعض أصوات “ماغا” مع اقتناع متزايد داخل الإدارة بأن أوكرانيا أصبحت شريكاً تكنولوجياً وعسكرياً، راكم خبرة متقدمة في الحرب الحديثة. فقد لعب وزير الجيش الأميركي دان دريسكول دوراً مهماً في تغيير نظرة ترمب، بعد زيارته لأوكرانيا وإعجابه بمنظومة “دلتا” الأوكرانية التي تربط الطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار ضمن شبكة واحدة، معترفاً بأن الولايات المتحدة لا تملك منظومة مماثلة بالكفاءة نفسها.
وتسعى واشنطن حالياً إلى شراء طائرات مسيّرة أوكرانية وإنتاجها بصورة مشتركة، فيما حصلت ست شركات أوكرانية على إذن لتصدير طائرات إلى الولايات المتحدة لإخضاعها لاختبارات عسكرية.
الحرب مع إيران.. عامل إضافي في تغيير الصورة
أسهمت الحرب مع إيران في تغيير صورة روسيا داخل إدارة ترمب، حيث اكتشف ضباط استخبارات أن موسكو تشارك طهران تقنيات الطائرات المسيّرة وتكتيكات استخدامها، مما يساعد إيران في استهداف القوات الأميركية. واستثمرت كييف هذه المعلومات لإقناع ترمب وأنصاره بالوقوف ضد موسكو، كما استفادت من خبرتها في التصدي للمسيّرات الإيرانية لتقديم الدعم لحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
هل انتهى شهر العسل بين ترمب وبوتين؟
لا يعني التقارب المتجدد بين ترمب وزيلينسكي أن الرئيس الأميركي أصبح داعماً غير مشروط لأوكرانيا، كما لا يعني أن العلاقة مع بوتين وصلت إلى قطيعة كاملة. فلا يزال ترمب ينظر إلى الحرب من زاوية الكلفة والصفقات، ويريد تسوية يستطيع تقديمها كإنجاز سياسي.
لكن النظرة التي حكمت الأشهر الأولى من عودته بدأت تتغير: لم يعد زيلينسكي يعامل بوصفه العقبة الوحيدة أمام السلام، ولم يعد بوتين يبدو الطرف القادر وحده على تقديم التسوية. ومع تعثر المحادثات، تزايدت شكوك واشنطن في استعداد موسكو لإنهاء الحرب.
اندبندنت عربية



