لماذا تعد السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل مهمة للصحة مدى الحياة؟

تشير دراسات حديثة إلى أن رحلة بناء صحة الإنسان تبدأ قبل الولادة بوقت طويل، إذ تلعب الفترة الممتدة من الحمل وحتى بلوغ الطفل عامه الثاني دورًا محوريًا في تشكيل جهازه المناعي، وتطور الدماغ، وتنظيم عمليات الأيض، وحتى احتمالات الإصابة بالأمراض في المستقبل.
وتوضح طبيبة الأطفال وعضو الأكاديمية الروسية للعلوم ليلى نامازوفا بارانوفا أن هذه المرحلة، المعروفة بـ”الألف يوم الأولى”، تمثل نافذة ذهبية لنمو الجسم، لكنها لا تعني أن مستقبل الإنسان الصحي محسوم مسبقًا، فالجسم يمتلك قدرة كبيرة على التكيف، ويمكن للعادات الصحية في مختلف المراحل العمرية أن تعزز الصحة أو تعوض بعض التأثيرات المبكرة.
لماذا تحظى الألف يوم الأولى بكل هذه الأهمية؟
تشمل هذه الفترة أشهر الحمل التسعة إضافة إلى أول عامين بعد الولادة، وهي المرحلة التي تنمو فيها الأعضاء بسرعة كبيرة، بينما يتعلم الجهاز المناعي كيفية التمييز بين العناصر الضارة وغير الضارة، ويكون الدماغ في أعلى درجات المرونة والاستعداد للتطور.
وتؤكد بارانوفا أن الاهتمام بصحة الوالدين قبل الحمل، ثم توفير التغذية والرعاية المناسبة للطفل بعد الولادة، يسهمان في بناء قاعدة صحية متينة تمتد آثارها لسنوات طويلة.
الميكروبيوم.. خط الدفاع الأول للمناعة
تحتل البكتيريا النافعة، أو ما يعرف بالميكروبيوم، مكانة أساسية في هذه المرحلة، إذ تساعد على تدريب الجهاز المناعي وتنظيم استجابته للأمراض.
وتبدأ رحلة تكوين هذا الميكروبيوم منذ الولادة، حيث تؤثر طريقة الولادة، والاتصال المباشر بين الأم وطفلها، والرضاعة الطبيعية، وخاصة اللبأ، في تكوين البيئة الميكروبية التي ترافق الطفل لاحقًا.
ورغم ذلك، تؤكد الطبيبة أن الولادة القيصرية تبقى الخيار الصحيح عندما تقتضي الضرورة الطبية ذلك، مع ضرورة دعم نمو البكتيريا النافعة بوسائل مناسبة كلما أمكن.
المضادات الحيوية.. ضرورة عند الحاجة فقط
تشدد بارانوفا على أن المضادات الحيوية أنقذت ملايين الأرواح، لكنها ينبغي أن تستخدم فقط عند وجود مبرر طبي واضح، لأن الإفراط في استعمالها، خصوصًا خلال الحمل والطفولة المبكرة، قد يخل بتوازن البكتيريا النافعة ويؤثر في المناعة مستقبلاً.
كما تربط بعض الدراسات بين الاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية في السنوات الأولى وارتفاع احتمالات الإصابة بالحساسية، والسمنة، وبعض أمراض المناعة الذاتية، إضافة إلى زيادة مقاومة البكتيريا للعلاج.
البداية مهمة.. لكنها ليست كل شيء
وتوضح بارانوفا أن الطفولة الصحية تمنح الإنسان انطلاقة جيدة، لكنها لا تضمن الوقاية من الأمراض إذا اتبع لاحقًا نمط حياة غير صحي، كما أن الطفل الذي يواجه صعوبات في بدايات حياته يمكنه الحفاظ على صحته إذا التزم بعادات سليمة في المراحل اللاحقة.
ويضرب الخبراء مثالًا بصحة الرئتين، إذ قد يولد شخص برئتين سليمتين لكنه يضر بهما بالتدخين، بينما يستطيع آخر ولد بقدرة تنفسية أقل أن يحافظ على وظائفهما لسنوات طويلة عبر تجنب العادات الضارة.
نمط الحياة يعيد تشكيل الميكروبيوم
ولا يتوقف تطور الميكروبيوم عند مرحلة الطفولة، بل يتأثر باستمرار بالنظام الغذائي، والنشاط البدني، والبيئة المحيطة.
وتشير الدراسات إلى أن تناول الأطعمة المخمرة، وممارسة النشاط البدني بانتظام، يساعدان في تعزيز توازن البكتيريا النافعة، بينما يؤدي سوء التغذية والخمول والإفراط في تناول الأدوية دون داعٍ إلى زيادة الالتهابات المزمنة التي ترتبط بعدد من الأمراض مع التقدم في العمر.
وفي المقابل، يحذر الخبراء من الاعتقاد بأن جميع المستحضرات الحيوية أو البروبيوتيك تناسب الجميع، لأن احتياجات الجسم تختلف باختلاف الحالة الصحية.
سمنة الأطفال لا تؤثر على الوزن فقط
وتلفت بارانوفا إلى نتائج أبحاث أجريت على طلاب مدارس، أظهرت أن الأطفال الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة سجلوا أداءً أقل في مادة الرياضيات مقارنة بأقرانهم ذوي الوزن الطبيعي، مع رصد اختلافات في بعض مؤشرات نشاط الدماغ.
ورغم أن هذه النتائج لا تعني أن الوزن وحده يحدد القدرات الذهنية، فإنها تؤكد أن السمنة ليست مجرد مشكلة شكلية، بل قد ترتبط بتغيرات تؤثر في الصحة العامة والتمثيل الغذائي والنمو.
صحة الطفل تبدأ من البداية
ويرى الخبراء أن بناء صحة جيدة يعتمد على مجموعة من العوامل المتكاملة، تشمل الحمل الصحي، والرعاية الطبية المناسبة، والرضاعة الطبيعية، والاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية، والتغذية المتوازنة، والحركة اليومية.
ويؤكدون أن السنوات الأولى تمنح الطفل فرصة ثمينة لبناء مستقبل صحي، لكن المحافظة على هذا الأساس تتطلب الاستمرار في اتباع نمط حياة صحي طوال العمر.
سبوتنيك عربي



