آنا نوفيكوفا.. حكاية حسناء روسية هزت مخابرات باريس

في قاعة محكمة باريس، وتحت حرارة صيفية قاسية، قطعت الأم فيرا رحلة شاقة من سيبيريا الغربية إلى العاصمة الفرنسية، آملة في الإفراج عن ابنتها آنا نوفيكوفا، لكن القضاء جدد رفضه، ليبقيها خلف القضبان في سجن فلوري-ميروجيس للنساء منذ سبعة أشهر، بتهمة التجسس لصالح موسكو.

من فقر سيبيريا إلى أضواء بياريتز
ولدت آنا البالغة من العمر 41 عاماً في يوغورسك، مدينة نفطية في سيبيريا الغربية، لعائلة تعيش فقراً مدقعاً، حيث كانت وجبات الطفولة تعتمد أحياناً على لحم الدب الذي كان والدها الصياد يحضره. ورغم هذه البداية القاسية، نشأت آنا بقلب مفتون بالحداثة والحياة الحضرية، وفقاً لوصف برنار فونتين، “مؤرخها الشخصي” الذي صدر بحقه قرار مراقبة قضائية.
في الخامسة عشرة، بدأت حياتها المهنية كتقديم برنامج شبابي على التلفزيون المحلي، ثم تنقلت بين الإعلانات في موسكو، وتخطيط الفعاليات في أولمبياد سوتشي، وعروض الأزياء على شواطئ بحر إيجة. وفي عام 2010، تزوجت مضيفاً فرنسياً وانتقلت إلى مدينة بو جنوب غرب فرنسا، حيث نالت الجنسية الفرنسية وأنجبت طفلين.
عرض هذا المنشور على Instagram
عندما غيّرت الحرب كل شيء
مع اندلاع الحرب في أوكرانيا فبراير 2022، انكشفت الانقسامات داخل الجالية الروسية في فرنسا. كانت آنا حازمة في موقفها، معلنة انتماءها للفريق الذي يفخر بكونه روسياً، ومنظمة مظاهرة “ضد الدعاية المناهضة لروسيا”. هذا الموقف جلب لها بلاغاً مجهولاً إلى المحافظة أدان “تأييدها للحرب”، ووضعها منذ ذلك الحين تحت رقابة الأجهزة الأمنية.
في أغسطس 2022، سافرت إلى دونباس للاطلاع على الأوضاع بنفسها، وعملت مترجمة لأدريان بوكيه، الضابط الفرنسي السابق الذي أصبح من أبرز مروجي الدعاية الروسية. وهناك التقت بـ”ميشا”، وهو ضابط في الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU)، الذي أصبح عشيقها لاحقاً، ويقول المحققون إنه كان وراء فكرة تأسيس جمعيتها.
SOS Donbass.. غطاء إنساني أم شبكة تجسس؟
في الرابع من أكتوبر 2022، أسست آنا جمعية “SOS Donbass” في فرنسا، بهدف معلن هو الإغاثة الإنسانية والتنديد بتسليح أوكرانيا. لكن الاستخبارات الفرنسية ترى في الجمعية غطاءً لعمليات نفوذ وتجسس منسقة تحت إشراف الاستخبارات العسكرية الروسية.
الدليل الأكثر إثارة للقلق وفق المحققين، كان صوراً تفصيلية دقيقة لمحطات الطاقة الكهرومائية في وادي آسب، عُثر عليها على ذاكرة USB مصادرة من حوزتها. ويرى المحققون أن استهداف هذا القطاع ينسجم مع أهداف تنسبها الأجهزة الأمنية إلى روسيا.
قضية دريفوس جديدة أم حرب باردة؟
محامي الدفاع فيليب دو فوي لا يخفي غضبه، معتبراً أن موكلته تدفع ثمن العلاقات المتوترة بين باريس وموسكو، ومشبهاً قضيتها بقضية دريفوس الشهيرة، ومتهماً السلطات بمحاولة صنع “قضية دولة”. من جانبها، طالبت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بالإفراج عنها، واصفة احتجازها بـ”القمع لمن يعبر عن رأي مخالف للتوجه الرسمي الباريسي”.
لكن ملف آنا يحمل تناقضات، إذ يشير شاهد إلى أنها اعترفت له بكونها “عميلة سرية روسية”، وهو ما تنفيه بشدة، متسائلة ساخرة: “أي جاسوسة تظهر وجهها على يوتيوب؟” لكن الاستخبارات ترد بأن هذا الظهور كان مقصوداً كأداة للتحديد والتجنيد.
شخصية قابلة للتأثير.. أم جاسوسة محترفة؟
يصفها أحد المقربين بأنها “رأس مندفع، وطنية لكن ليست قومية، تحتاج إلى اعتراف وتقدير، والأهم أنها تقبل التأثر بسهولة بالغة”. وتقول عن نفسها إنها كانت تحلم بالسلام.
بين رواية الاستخبارات التي ترى فيها حلقة في شبكة نفوذ روسية، وصورة المرأة المندفعة التي قادها طموحها إلى قلب صراع دولي، يبقى مصير آنا نوفيكوفا معلقاً بين جدران السجن ورفض محكمة الاستئناف الإفراج عنها، في قضية تختزل توترات سياسية كبرى، ويظل القضاء الفرنسي وحده صاحب الكلمة الفصل في حقيقتها النهائية.
إرم نيوز



