بعد 10 سنوات.. قصة عملية إجلاء ابنة أوباما السرية من جنوب فرنسا

بعد عقد كامل من التكتم، كشفت صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية النقاب عن واحدة من أكثر العمليات الأمنية حساسية في تاريخ الحماية الرئاسية الأمريكية على الأراضي الأوروبية، حيث تم إجلاء ماليا أوباما، الابنة الكبرى للرئيس الأسبق باراك أوباما، من جنوب فرنسا في خضم الفوضى التي أعقبت الهجوم الإرهابي الدامي على مدينة نيس عام 2016.
تلك الليلة التي جمعت بين الرعب الإرهابي والتهديدات الأمنية غير المعلنة، كادت أن تشهد كارثة ثانية لولا تدخل الأجهزة الأمنية بسرعة قياسية، لتظل القصة طي الكتمان حتى اليوم، وتكشف عن حجم التحديات التي واجهتها الخدمات السرية لحماية عائلة الرئيس الأمريكي في لحظات استثنائية.
المشهد الأول: هجوم نيس والفندق الذي كان يضم مفاجأة
في الخامس عشر من يوليو عام 2016، وفي تمام الساعات الأولى من الصباح، كان شارع “بروميناد ديز أونغليه” في نيس مسرحاً لمأساة بشعة حينما اقتحمت شاحنة الحشود المحتفلة بعيد الاستقلال الفرنسي، مخلفة وراءها عشرات القتلى والجرحى في مشهد أشاع الفزع في جميع أنحاء البلاد.
لكن ما لم يكن أحد يعرفه في تلك اللحظة، هو أن على بعد كيلومترات قليلة من موقع الهجوم، كان فندق “رويال أنتيب” الفخم المطل على البحر الأبيض المتوسط يحتضن شخصية بالغة الأهمية، إنها ماليا أوباما، التي كانت تقضي عطلة صيفية هناك مع صديقاتها ابتهاجاً بعيد ميلادها الثامن عشر.
هذا التواجد المصادف مع الحدث الإرهابي جعل الأجهزة الأمنية في حالة تأهب قصوى، خاصة مع أن المنطقة كانت تشهد حالة من الانهيار الأمني المؤقت بعد الهجوم الكبير.
ثلاثة أشقاء وظهور مشبوه غيّر كل شيء
في خضم الفوضى، وخلال الساعات التالية للهجوم، رصد عملاء الخدمة السرية الأمريكية المكلفون بحماية ماليا تحركات ثلاثة أشخاص حاولوا الاقتراب بشكل غير طبيعي من محيط الفندق، مما أثار الريبة والشكوك حول نواياهم.
واتضح أن هؤلاء الأشخاص هم ثلاثة أشقاء من أصول عراقية، ويحملون الجنسية الدنماركية، وكان مسار حركتهم وتوقيت وجودهم بالقرب من موقع الاعتداء أمراً مريباً بدرجة كافية لدفع الأجهزة الاستخباراتية الفرنسية والأمريكية إلى التعامل معهم كتهديد محتمل.
وهنا، لم تتردد الأجهزة الأمنية، وتم اعتقال الثلاثة فوراً من قبل الشرطة الفرنسية بطلب من الفريق الأمريكي، وبدأت التحقيقات الأولية لمعرفة ما إذا كانوا جزءاً من خلية إرهابية مرتبطة بهجوم نيس، أم أنهم كانوا يستهدفون مباشرة ابنة الرئيس الأمريكي.
لحظة الحسم: قافلة أمنية وطائرة خاصة في انتظار ماليا
في ظل هذا الغموض والتهديد غير المؤكد، اتخذ جهاز الخدمة السرية الأمريكي قراراً جريئاً وحاسماً، تمثل في إجلاء ماليا وصديقتها من المنطقة فوراً ودون أي تأخير، قبل اكتمال التحقيقات مع المشتبه بهم.
تحركت القافلة الأمنية عند الفجر، في مشهد أشبه بأفلام الإثارة، حيث تولى ضابط الشرطة الوطنية الفرنسية لوران ألكاراز مهمة تنسيق العملية بالتزامن مع العملاء الأمريكيين، وتم تأمين الطريق إلى مطار نيس بكل حزم ودقة.
كانت طائرة خاصة في انتظار ابنة الرئيس على المدرج، وصعدت ماليا وصديقتها على متنها فور وصولهما، لتقلع بهما خارج فرنسا في عملية لم تستغرق سوى ساعات قليلة، لكنها حملت في طياتها كمياً هائلاً من التنسيق الأمني رفيع المستوى.
ماذا حدث للمشتبه بهم بعد ذلك؟
بعد تنفيذ عملية الإخلاء، بقي المشتبه بهم الثلاثة رهن الاستجواب المكثف لمدة 48 ساعة كاملة، حيث حاولت الأجهزة الأمنية الفرنسية والأمريكية الربط بينهم وبين هجوم نيس أو استهداف الفندق الذي تقيم فيه ماليا.
لكن في النهاية، وبسبب عدم كفاية الأدلة، تم إطلاق سراحهم، ولم تُسجل بحقهم أي تهمة رسمية، مما جعل العملية برمتها تبدو وكأنها إنذار أمني بالغ الحساسية أكثر منها مؤامرة محققة. ومع ذلك، يبقى توقيت وجودهم ومحاولتهم الاقتراب من الفندق نقطة غامضة لم تُحل بالكامل حتى اليوم.
لماذا ظل هذا الملف مغلقاً طيلة 10 سنوات؟
ليس غريباً أن تظل عمليات الحماية الرئاسية بعيدة عن الأضواء لعقود، لكن في حالة ماليا أوباما، هناك أسباب محددة جعلت القصة تبقى سرية كل هذه السنوات.
- أولاً، كانت ماليا قاصراً وقتها، ولم ترغب الأجهزة الأمريكية في إثارة حالة من الذعر حول حياة عائلة الرئيس، خاصة في فترة ما بعد الهجوم الإرهابي مباشرة، حيث كانت المشاعر العامة متأججة.
- ثانياً، إطلاق سراح المشتبه بهم دون توجيه اتهامات جعل من الصعب تبرير العلنية الإعلامية لعملية بهذا الحجم، كما أن التنسيق الأمني الفرنسي-الأمريكي تطلب أن تبقى التفاصيل طي الكتمان لضمان نجاح التعاون المستقبلي.
- وأخيراً، فإن مثل هذه العمليات الاستباقية، حتى لو لم تفضِ إلى اعتقالات، تبقى جزءاً من صندوق الأدوات الأمنية الذي لا يُكشف عنه إلا في حالات نادرة جداً، وهو ما حدث بعد 10 سنوات عبر تسريبات صحفية.
ماذا نتعلم من هذه القصة اليوم؟
رغم مرور عقد كامل، تظل عملية إجلاء ماليا أوباما نموذجاً حياً على سرعة البديهة الأمنية التي تميز الأجهزة الأمريكية، وأيضاً على مدى تعقيد التعامل مع التهديدات في اللحظات التي تلت الكوارث الإرهابية الكبرى.
القصة تذكرنا بأن حياة الشخصيات العامة، وخاصة عائلات الرؤساء، تتطلب مستوى من الحماية يفوق ما يتخيله الكثيرون، وأن القرارات الأمنية الحاسمة تُتخذ غالباً في غضون دقائق، وتستند إلى تقديرات لا تعرف التردد.
لكنها أيضاً تطرح سؤالاً مفتوحاً، هل كان التحرك الأمريكي مبالغاً فيه في ذلك التوقيت، أم أن الحذر الشديد كان ضرورياً في ظل أجواء الرعب التي خلفها هجوم نيس؟ ربما يبقى الجواب معلقاً في ذاكرة من عاشوا تلك اللحظات فقط.
إرم نيوز



