الأوبزيرفر تكشف تنقلات أسماء الأسد بين موسكو ودبي ودورها كشريكة في جرائم النظام

فاجأ سقوط الأسد في كانون الأول 2024 كل السوريين، بعد الحرب التي شنها جهازه الأمني والعسكري على المدنيين، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من نصف مليون إنسان وتهجير نصف السكان، وتحويل مدن بأكملها إلى أنقاض.
ومع فرار شخصيات بارزة لدى النظام البائد إلى دول الخليج وموسكو، أو اختبائها تهرباً من المحاسبة، تم اكتشاف مقابر جماعية إلى جانب سلسلة السجون المرعبة التي أخفي فيها آلاف الأشخاص.
وفي قلب تلك المعمعة كانت أسماء، زوجة الأسد، حاملة الجنسية البريطانية كونها ولدت وترعرعت في لندن قبل انتقالها إلى دمشق، والتي عززت خلال سنوات الحرب نفوذها على الاقتصاد السوري، فتحولت إلى شخصية محورية في إدارة النظام المخلوع وصناعة القرار داخل دوائره.
وفي تحقيق لصحيفة “الأوبزيرفر” البريطانية، استند إلى إفادات عدد من المصادر التي كانت مقربة من عائلة الأسد، وفضّل معظمها عدم الكشف عن هويته خوفاً من بشار الأسد وزوجته، توصلت الصحيفة إلى أن الروس اقترحوا أسماء الأسد لتكون خليفة لزوجها في قيادة سوريا. وبأنها كانت تتمتع بنفوذ واسع في قطاعات رئيسية ضمن الاقتصاد، شملت المساعدات الدولية، التي كانت الأمم المتحدة على علم بأنها تعرضت للاختلاس.
كما أفاد بأن أسماء الأسد غضّت الطرف عن استخدام أجهزة المخابرات للأطفال ورقةً للضغط السياسي، من خلال دور الأيتام التي كانت تديرها مؤسستها الخيرية. كذلك ترأست مجلساً اقتصادياً مارس ضغوطاً على رجال الأعمال وضيّق عليهم، فضلاً عن تهديدهم بالاعتقال.
أسماء تزور الإمارات
ومن خلال مصدرين مطلعين، تبين أن شقيقي أسماء منعا من دخول المملكة المتحدة، فقد صرح وزير الخارجية البريطاني السابق، ديفيد لامي، بأنها غير مرحب بها في بريطانيا، لكن جنسيتها البريطانية لم تسحب منها، ورفضت كل من وزارة الداخلية والخارجية البريطانيتين التعليق على الموضوع. كما تتمتع أسماء وزوجها بحق الإقامة في دولة الإمارات، ولهذا صارا يتنقلان من دبي وإليها، وقد كانت آخر زيارة لأسماء إلى هناك خلال الشهر الماضي، حيث أقامت في فندق والدورف أستوريا.
ما يزال بشار الأسد من أهم المطلوبين على مستوى العالم، فقد صدرت بحقه عدة مذكرات توقيف دولية على خلفية ارتكابه لجرائم حرب في سوريا، أبرزها تلك المذكرة الصادرة عن السلطات الفرنسية بخصوص الهجوم الكيماوي على الغوطة في عام 2013، حيث قتل المئات بغاز السارين، فضلاً عن اتهامه بقتل الصحفيين ماري كولفن وريمي أوشيليك عند قصف مدينة حمص في عام 2012.
لا تتمتع المحكمة الجنائية الدولية باختصاص النظر في الجرائم المرتكبة في سوريا، بما أن سوريا ليست طرفاً في نظام روما الأساسي، الذي أنشئت بموجبه هذه المحكمة، ولذلك تعتمد جهود المحاسبة على المحاكم الوطنية، وخاصة تلك التي تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية.
وبالرغم من ذلك، فإن أسماء بما أنها تحمل الجنسية البريطانية، فإنها تخضع لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وبذلك يمكن أن توجه إليها لائحة اتهامات، كما يمكن إصدار مذكرة توقيف بحقها في المملكة المتحدة، إذ يقول لويس مورينو أوكامبو، المدعي العام السابق لدى المحكمة الجنائية الدولية: “ثمة فرصة في كونها بريطانية، بما أن بريطانيا دولة عضو وقعت على المعاهدة التي أسست المحكمة بموجبها”.
فرص محاكمة أسماء في بريطانيا
في عام 2021، نظرت وحدة جرائم الحرب التابعة لشرطة العاصمة البريطانية (سكوتلانديارد) باتهامات تفيد بأن أسماء الأسد ارتكبت جرائم عبر دعمها للنظام المخلوع، فضلاً عن دورها في الترويج لرواية النظام خلال سنوات الحرب، ولهذا أعدت الشرطة ملفاً لها وأحالته إلى هيئة الادعاء العام البريطانية.
غير أن عقبات عملية، أبرزها ضعف احتمال عودة أسماء إلى المملكة المتحدة، كانت من الأسباب التي منعت الهيئة من المضي قدماً في القضية.
ولكن في حالات أخرى، جرّد مواطنون بريطانيون من جنسيتهم بعد أن غادروا البلد ليشاركوا في حروب خارجها، أو لينضموا إلى جماعات متطرفة، كما حدث مع شاميما بيغوم إثر انضمامها لـ”تنظيم الدولة”.
بيد أن حالة أسماء فريدة من نوعها، كونها تمثل شخصية احتلت منصباً مهماً داخل نظام ارتكاب مجازر شنيعة.
أسماء مرتاحة اليوم
وذكرت مصادر على صلة بآل الأسد أن أولاد بشار وأسماء الأسد، يقيمون في دبي حالياً، إلى جانب جدتهم وخالهم فراس الأخرس. وأوضح أقارب العائلة بأن الزوجين يحملان إقامة في دولة الإمارات، لكنهما أبلغا بعدم قدرتهما على الانتقال للعيش بشكل دائم في الإمارات حالياً، على الرغم من الترحيب بهما، وبذلك سيظل هذا الهدف ما يصبوان إليه.
تعتبر الإقامة الدائمة أو الجنسية التي تمنحها الإمارات للأسد وزوجته خطوة استثنائية، لما قد يترتب عليها من تداعيات دبلوماسية كبيرة، بما أن الإمارات حليفة للمملكة المتحدة، وبين البلدين اتفاق على تسليم المطلوبين أصبح نافذاً منذ نيسان 2008، وبالتواصل مع حكومة دولة الإمارات لم يتلق من عمل على هذا التحقيق أي رد.
في مقابلة أجريت في بيته ببيروت، قال عبدو الدباغ، ابن خالة أسماء عنها بأنها: “تعيش حياة أفضل مني ومنك، فهي مرتاحة، وأولادها يعيشون الآن حياة أفضل من حياتهم في السابق”.
ويعتقد الدباغ بأن أسماء التي عملت في مصارف استثمارية بلندن قبل زواجها، تشغل وقتها حالياً بمساعدة ابنها الأصغر كريم الذي يتقن اللغة الصينية على فتح مشاريع تجارية في الصين.
وذكر مصدر آخر بأن الزوجين لديهما استثمارات في عدد من دول العالم، ومنها بلغاريا وروسيا والإمارات ولبنان.
يعلق على ذلك توبي كادمان، وهو محام متخصص بحقوق الإنسان، فيخبرنا بأن الخيارات المتاحة أمام بشار وزوجته باتت أضيق، ويضيف: “لم يعد بشار قادراً على تقديم أي شيء للإمارات بوسعه أن يحقق لها مصلحة استراتيجية في سوريا، فما القيمة التي يمثلها اليوم؟”
ويرى كادمان بأن هنالك تحول يجري على الساحة الدولية، تقترب من خلال الإمارات من الغرب أكثر، ويعود للحديث عن الزوجين فيقول: “لا أعتقد أنهما سيكونان في مأمن كبير أمام احتمال تسليمهما أو ملاحقتهما قضائياً في حال انتقلا إلى هناك”.
مع اشتداد الضغط على المنظمات الدولية والبريطانية حتى توجه لائحة اتهامات بحق أسماء الأسد، يواصل المحققون والصحفيون وعائلات الضحايا والمفقودين البحث بين ما خلفه النظام من أنقاض، إلى جانب جمع الأدلة التي يمكن أن تبنى عليها المحاكمات مستقبلاً.
أسماء وبشار وقصتهما الغريبة
ذكرت إحدى زميلات أسماء في المدرسة، وفضلت عدم الكشف عن هويتها، أن التعارف بين أسماء، (إيما) آنذاك، وبشار الأسد الذي كان عمره وقتئذ 26 عاماً، جاء بترتيب من أمها التي كانت تعمل لدى السفارة السورية بلندن، وتعتقد تلك الصديقة أن ذلك حدث خلال السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية، في أوائل تسعينيات القرن الماضية، في أثناء دراسة أسماء في كلية الملوك المرموقة في وسط لندن، بينما كان بشار يدرس طب العيون في العاصمة البريطانية، وتضيف: “أخبرتنا بأنها ستقابل شخصاً ما، وكانت غاية في الحماسة، وكأن هنالك من أخبرها بأن هذا سيكون مستقبلك”.
في البداية سارت حياة بشار وأسماء في اتجاهين مختلفين، عندما اضطر بشار لترك دراسة الطب والعودة إلى سوريا بعد وفاة شقيقه باسل في عام 1994، ما دفع والده حافظ الأسد لإعادة النظر في خطة توريث الحكم، وهكذا برز اسم بشار على الساحة بوصفه الخيار الوحيد الذي بوسعه خلافة أبيه.
أما أسماء، فقبل زواجها، بدأت مسيرتها المهنية في لندن، حيث عملت لدى بنك دويتشه ثم في جي بي مورغان، ولكن بمجرد عودة بشار للتواصل معها، وبدت وكأنها على استعداد للتخلي عن كل شيء.
يتذكر بول غيبس وهو من كبار المسؤولين عن عمليات التداول لدى بنك جي بي مورغان في ذلك الحين بأنه عمل مع تلك المحللة الشابة والطموحة، لكنها تغيبت عن العمل في أحد الأيام من دون أن تبلغ أحداً، فقلق زملاؤها عليها، وحاولوا الاتصال بها، ففوجئوا بقضائها عطلة من خطيبها الجديد في صحراء ليبيا بضيافة الزعيم معمر القذافي، وذكر مديرها المباشر في البنك بأنها طردت من عملها بعدما اكتشفوا بأنها حاولت إخفاء عدم إنجازها لمهامها في الوقت المحدد، بما أنها أخذت تمضي وقتها مع الرئيس السوري القادم، بدلاً من أن تداوم في البنك، ويعلق غيبس على ذلك بقوله: “لقد صدم ما فعلته الجميع، كونها تركت كل شيء ومضت لتعيش في دمشق”.
طوال تسعينيات القرن الماضية وبداية الألفية الجديدة، وثقت منظمات حقوقية تقارير عن التعذيب والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري في السجون السورية أيام حافظ الأسد. وبحكم انتماء أسماء إلى عائلة سورية تعرف تاريخ البلد وثقافته جيداً، فمن المرجح أنها كانت على علم بكل الاتهامات التي وجهت للدولة السورية آنذاك، إذ في عام 1982، ارتكب حافظ الأسد مجزرة حماة التي قتل فيها نحو 40 ألف إنسان، وعند وفاته في حزيران 2000، أدى بشار الأسد اليمين الدستورية ليصبح رئيس سوريا الجديد، وبعد ستة أشهر على ذلك، تزوج أسماء في حفلة خاصة.
أسماء وبداية طموحها
بعد انتقالها إلى دمشق بفترة وجيزة، شرعت أسماء في إنشاء سلسلة من المنظمات غير الحكومية بزعم تمكين السوريين وتحسين أوضاعهم من خلال برامج القروض المخصصة للمشروعات الصغيرة، وكذلك المبادرات التعليمية. ثم جمعت كل تلك المشاريع تحت مظلة الأمانة السورية للتنمية التي استقطبت الكفاءات الشابة من مختلف بقاع العالم.
وبالحديث إلى عدد من الموظفين الذين عملوا لدى أسماء، ذكروا بأنها بدت لهم صادقة في طموحاتها وسعيها لإحداث تغيير إيجابي في سوريا، إذ قال زكي محشي الذي بدأ العمل معها في عام 2006 بمنصب رئيس قسم تحليل الأبحاث: “اعتقدت بأنها تحاول أن تفعل شيئاً إيجابياً ولو في ظل ظروف سلطوية”، غير أن الأمور لم تسر على هذا النحو، إذ مع وصول رياح الربيع العربي إلى سوريا في عام 2011، تبدد الأمل في اختلاف سلوك بشار عن سلوك أبيه، إذ لم تمر سوى أسابيع قليلة حتى بدأ إطلاق النار على المتظاهرين السلميين في الشوارع، كما اعتقل الآلاف منهم وتعرضوا للإخفاء داخل السجون سيئة الصيت في هذا البلد”.
بعد أسابيع من اعتقال الأطفال الذين كتبوا شعارات مناهضة للأسد على الجدران، سلمت جثة الفتى حمزة الخطيب الذي كان عمره 14 عاماً بعد أن اعتقل من مظاهرة، وقد ظهرت عليها آثار التعذيب واضحة.
أسماء تتحول إلى شخص آخر
كان زملاء أسماء ومعارفها يتمنون في ذلك الحين من السيدة الأولى أن تتمكن من دفع النظام نحو قدر من الاعتدال، وبعد اندلاع الاحتجاجات بأربعة أشهر، طلبت أربع سوريات جميعهن من معارف أسماء، لقاءها، وخلال الاجتماع الذي عقد في مكتبها بالقصر الرئاسي، ناشدنها بوصفها أماً، وذكرنها بأن عنف الدولة طال الأطفال أيضاً، وبحسب هدى مجركش التي كانت إحدى الحاضرات، إلى جانب كونها جارة لأسماء، بدت السيدة الأولى آنذاك في البداية وكأنها تنصت لهن باهتمام، لكنها استدعيت فجأة لتتحدث على الهاتف، فعادت شخصاً آخر بحسب وصف مجركش التي أضافت: “أعتقد أن هناك جهاز تنصت داخل الأريكة التقط ما قلناه لها، ولعل أحدهم اتصل بها ليطلب منها تشديد موقفها، وتغيير نبرة حديثها”.
وجهت مناشدات مماثلة للأمانة السورية للتنمية، إذ عند اعتقال بعض موظفي الأمانة، انصب أمل زكي محشي وبقية الزملاء على أن تستخدم أسماء نفوذها وتتدخل من أجلهم، ولهذا يقول: “في ذلك الوقت خلنا بأنها ستقف إلى جانبنا، فهؤلاء كانوا موظفين لديها في نهاية الأمر”، ولكن عند اعتقال ريما الدالي التي عملت في السابق لدى الأمانة، وذلك في عام 2012، بسبب حملها للافتة كتب عليها: (أوقفوا القتل.. نريد أن نبني وطناً لكل السوريين)، لزمت أسماء الصمت، وبقيت كذلك طوال سنين الحرب، غير أنها في عام 2016 أجرت مقابلة مع قناة روسيا 24، فبدت هادئة ومتزنة كعادتها، وذكرت بأنها لم تفكر يوماً بمغادرة سوريا أو التخلي عن زوجها، وأضافت: “وقفت بجانبه لأن قناعاتي لم تمل علي غير ذلك”، وفي هذا التصريح تجاهل للأخبار حول تدهور العلاقة الزوجية بينهما أو وجود خيانة من طرف الزوج، إذ يعتقد أحد أصدقاء بشار القدامي بأن الدكتور فواز والد أسماء لعب دوراً في رأب الصدع بين الزوجين عبر عقد اتفاق منح أسماء نفوذاً وحرية أكبر في السعي وراء مصالحها الاقتصادية والتجارية، غير أن الدكتور فواز أنكر خيانات صهره، وزعم بأن توسطه لإصلاح علاقة ابنته بزوجها بـ”محض خيال”.
عندما يجمح الطموح
عثرت أسماء على طرق وأساليب للالتفاف على العقوبات الدولية بعد أن استعانت بفريق من خارج سوريا لتشتري أثاثاً قدرت قيمته بآلاف الجنيهات الإسترلينية، إضافة لمزهرية صينية من عهد عائلة مينغ، وجواهر مصنوعة يدوياً في ورشة بباريس، وبحلول عام 2020، أصبح نفوذها يشمل الدولة كلها.
يعلق على ذلك جهاد يازجي، مؤسس ورئيس تحرير نشرة سيريا ريبورت الاقتصادية، فيقول: “لاحظنا كيف تعاظم نفوذها بشكل تدريجي، من دون أن نفهم الدور الذي تلعبه بدقة”، بيد أن هذا الدور بات جلياً عندما أصبحت المصرفي الفعلي للنظام.
على مدار عقدين، لم يكن أحد يتجرأ على رامي مخلوف، ابن خال بشار، ما جعله أغنى وأقوى رجل نفوذاً في سوريا، حيث امتدت إمبراطوريته التجارية من العقارات إلى الإنشاءات وتجارة النفط، كما سيطر على شبكات الهاتف المحمول وقطاع السوق الحرة في البلد.
ولكن عندما أضحى النظام المخلوع بحاجة ماسة إلى مال، بعد أن دمرت الحرب اقتصاد البلد، وضغطت روسيا على النظام حتى يسدد ما عليه من ديون تراكمت خلال سنوات الحرب، طلب بشار من رامي المال، فتردد الأخير، ما دفع أسماء لاستغلال هذه الفرصة بهدف الإطاحة بابن خال زوجها.
وهكذا اتهم النظام المخلوع رامي مخلوف بأنه مدين بملايين الدولارات كضرائب مستحقة، ثم وضعه قيد الإقامة الجبرية، وأغلقت شركاته، أو أصبحت تحت سيطرة أشخاص مرتبطين بمنظمات أسماء الأسد. وبذلك انتقل جزء كبير من نفوذه إلى السيدة الأولى آنذاك ومساعديها.
يعلق على ذلك جهاد يازجي فيقول: “لم تكن أي صفقة كبيرة أو عملية بيع عقارات مهمة في البلد تتم من دون علم رجالها.. إذ كان لديها رجال في كل مدينة، وأصبح من يديرون مكتبها يعرفون باسم (رجال الست)”.
وهؤلاء كانوا أعضاء في المجلس الاقتصادي الذي ترأسته أسماء، وهو عبارة عن شبكة غير رسمية تضم رجال الأعمال والمستشارين والشخصيات التابعة لنظام الأسد، والتي تولت إدارة الشؤون الاقتصادية الخاصة بأسرة بشار وأسماء.
وأبرز شخصيات ذلك المجلس يسار إبراهيم وعلي نجيب إبراهيم اللذان كانا أبرز مساعدي أسماء الأسد في رسم السياسات الاقتصادية، ووفقاً لمصادر من داخل النظام المخلوع، لعب الاثنان دوراً محورياً في إخضاع الشركات السورية، وإعادة تشكيل ملكية الأصول الكبرى بعد انهيار نفوذ رامي مخلوف.
وذكرت مصادر مقربة من النظام المخلوع بأن أسماء كان لديها طموح كبير في السلطة، وهذا ما جعلها تدعم فاسدين أدانوا لها بالولاء من أجل أن تحقق مكاسب شخصية، وأضاف جهاد يازجي: “كانت بلطجية، وبسببها اعتقل رجال وتعرضوا للتعذيب، كما كانت تضغط على رجال الأعمال حتى يسلموها شركاتهم.. إذ كان كل من لم يمتثل لمطالب مكتبها يتعرض لضغط شديد، حيث يغلق مصنعه أو تجمد حساباته أو يتهم بالتهرب الضريبي”.
من جهته، قال والد أسماء: “إن الاتهامات الموجهة لابنتي بشأن مصالحها التجارية والاقتصادية في سوريا لم تدعم بأي دليل في أي وقت”.
المساعدات كوسيلة للإثراء
بعد نحو عقد من الحرب، بدأ الانهيار الاقتصادي وضعف البنية التحتية في سوريا يضعان حداً لنفوذ أسماء، بعد أن أضحى نصف السوريين يعانون لتأمين قوت يومهم، غير أن هذا الواقع صب في مصلحتها أيضاً، بعد أن أصبح المصدر الرئيسي لتمويل سوريا يتمثل في المساعدات الأممية وتلك التي تقدمها المنظمات الخيرية الأجنبية، بما أن معظم تلك المساعدات كانت تمر عبر الأمانة السورية للتنمية.
ذكر شخص اطلع على ملف المساعدات في سوريا بشكل مباشر، وطلب عدم الكشف عن اسمه، بأن أسماء أنشأت شبكة هدفها الاستحواذ على أكبر قدر من المساعدات الإنسانية والتنموية التي كانت تدخل إلى سوريا، وأضاف بأن الأمم المتحدة كانت تعلم بأن النظام المخلوع يحقق مكاسب من هذا المساعدات، فقام جدل أخلاقي بخصوص ذلك داخل المنظمة، إلى أن اعتبر ذلك بمثابة الثمن الذي لا مفر من دفعه، حتى وإن قل المستفيدون ليقتصر عددهم على فئة ضئيلة من المحتاجين.
دور أسماء في مأساة أطفال المعتقلين
ثم إن أسماء لم تنبس بكلمة عندما أخذت المخابرات السورية تحتجز مئات الأطفال وتستخدمهم كرهائن وكورقة للضغط والمساومة خلال الحرب، سواء في صفقات تبادل الأسرى، أو للضغط على ذويهم المعتقلين أو المنخرطين في صفوف المعارضة.
هنالك وثائق تظهر تعليمات وجهت لدور الأيتام التي كانت تتلقى تمويلاً ودعماً من المنظمات التابعة لأسماء، بعدم تسليم الأطفال إلى أقاربهم، وقال موظفون عملوا في تلك الدور تحت رعاية أسماء بإنهم أبلغوها بتلك الممارسات بشكل مباشر، سواء عبر تقارير رسمية أو لقاءات شخصية، وذكر أحد العاملين في تلك الدور بأنها: “كانت تعرف كل شيء عن جميع الجرائم بنسبة 100%”، وأضافت موظفة أخرى بأن أسماء قالت لها إن عليها أن: “تهتم بشؤونها الخاصة” لأن هؤلاء أولاد “إرهابيين”.
كان من النادر بالنسبة لكبار المسؤولين في النظام المخلوع مباشرة تنفيذ الأعمال بأنفسهم، ولهذا فإن احتمال ظهور وثيقة تحمل توقيع أسماء الأسد بما يثبت مسؤوليتها المباشرة احتمال ضعيف، ولكن توصل هذا التحقيق إلى شهادات لأشخاص مقربين من النظام ومن أسماء الأسد، وقد أدلى كل منهم بشهادته على حدة، فجاءت شهاداتهم متقاربة في مضمونها.
وبالمقابل، واعتبر فواز الأخرس بأن أي ادعاء بأن ابنته: “كانت تعلم باستغلال الأطفال لأغراض سياسية، أو أنها أعطت الإذن بذلك، أو سهلت حدوث ذلك، أو تغاضت عن ذلك بوصفه وسيلة للضغط على الأهالي والمعتقلين، هو ادعاء مرفوض بالكامل وبشكل قاطع”، كما نفى إنشاءها لشبكة عملت على الاستحواذ على المساعدات الإنسانية والتنموية التي كانت تدخل إلى سوريا، وزعم بأن هذه الاتهامات تقدم ابنته من منظور ضيق: “يختزلها في السلطة والطموح وارتكاب الأخطاء، وفي ذلك صورة لا تعبر عن الشخصية التي أعرفها، ولا العمل الذي بقيت تزاوله على مدى عقدين”.
أسماء.. الرئيس الثاني
تعاظم نفوذ أسماء داخل القصر الرئاسي، إذ ذكر مصدر من داخل النظام بأنه: “لم يكن ممكناً تمرير أي أمر من خلال الرئيس من دون موافقتها عليه، بما أنه كان يناقش معها كل شيء… وكل ما كنت تتفق معه في النهار يمكن أن يتغير بعد حديثهما في المساء، سواء أكان الأمر يتعلق بالسياسة أم المشاريع أم الأمور الشخصية، ومن أصغر التفاصيل إلى أكبرها”.
وذكر رجل أعمال سوري بارز بأن المسؤولين في حكومة النظام المخلوع كانوا يذكرونها ويقولون: “هذا ما تريده الست” أو “هذا القرار صادر عن الست” وأوضح بأن رجال الأعمال كانوا خاضعين لرقابة على الدوام، وأضاف: “كان لديها فريق يراقب الناس من خلال الأجهزة الأمنية والعسكرية، بل حتى داخل وزارة الداخلية، كما كان لديها وزيران يدينان لها بالولاء”.
وقال مصدر آخر إن هذا النفوذ جعل أسماء الأسد مكروهة لدى كثير من كبار مسؤولي النظام المخلوع، وأضاف: “كان رجال الأعمال يكرهونها لأنها كانت تتدخل في مجالهم بكل وضوح. كما كرهها رجال الأمن والمخابرات بعد أن اكتشفوا حجم تأثيرها على بشار. وكرهها الوزراء لأنها تدخلت في عملهم وفي إدارة شؤون الدولة، إذ كان الجميع يرى أن هذا ليس مكانها، وأنه لا يستند إلى أي أساس دستوري. فقد كانت السيدة الأولى، ولم تكن رئيساً ثانياً”.
وزعم أحد الموظفين السابقين في الأمانة السورية للتنمية، فضّل عدم الكشف عن هويته، أن الصورة التي رسمت لأسماء الأسد كشخصية سياسية متلاعبة تتناقض تماماً مع الشخصية التي عرفها قبل الحرب، وأضاف: “لم تكن كذلك إطلاقاً، لذلك أميل أكثر للاعتقاد بأنها كانت ترغب بالمغادرة، لكنهم أبلغوها بأن أبناءها سيدفعون الثمن إن لم تبق.”
في عام 2023، انحسرت أخبار استخدام النظام المخلوع للسلاح الكيماوي ضد شعبه وتنفيذه مجازر بحقه من عناوين الصحف، وأُعيدت سوريا إلى جامعة الدول العربية، كما بدأ مسؤولون كبار في الأمم المتحدة بالظهور في صور إلى جانب أسماء الأسد.
الروس يريدون أسماء
لكن الروس ضاقوا ذرعاً ببشار بعد أن أصبح بنظر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مجرد رئيس ضعيف يحتاج دوماً إلى من ينقذه. وبعد أن خاضت روسيا الحرب دفاعاً عنه، ازداد استياء بوتين من رفض الأسد للقبول بعقد اتفاق سلام مع فصائل المعارضة في شمال غربي سوريا، و”قوات سوريا الديمقراطية” في الشمال الشرقي، وكذلك مع تركيا.
ووفقاً لعدة مصادر، بدأ الروس بإعداد قائمة بأسماء الشخصيات التي يمكن أن تخلف الأسد في الرئاسة، فكان اسم أسماء من بين أبرز المرشحين.
وقال مصدر مقرب من النظام إن فكرة أن تتولى السيدة الأولى منصب الرئاسة طُرحت من قبل الروس، وإن بشار الأسد كان على علم بذلك، لكن ذلك لم يقلقه، وأضاف: “كان هناك كلام من هذا القبيل، وقد نُقل إلى الرئيس، فاكتفى بالضحك.”
الاجتماع كغطاء للهروب
وفي دمشق، ومع تقدم قوات المعارضة، بدأ بشار يحسب خطوته التالية. أما حلفاؤه الروس، الذين دافعوا عن نظامه بضراوة منذ عام 2015، فكانوا منشغلين ومستنزفين في حربهم بأوكرانيا، ولذلك لم تعد مسألة التدخل لإنقاذه واردة لديهم. وبالمقابل، كان جيش النظام قد وصل مرحلة الإنهاك بعد سنوات من الفساد وتراجع المعنويات، فألقى كثير من جنوده أسلحتهم وتركوا تقدم قوات المعارضة يستمر، ولم يعد خيار القتال حتى النهاية مطروحاً.
في ذلك الحين، كانت أسماء الأسد في موسكو ابتداء من آب 2024 لتلقي العلاج من سرطان الدم، شملت عملية زراعة نخاع للعظم. وكانت تلك المرة الثانية التي تُشخَّص فيها بالسرطان، بعدما أعلن القصر الرئاسي عام 2018 إصابتها بسرطان الثدي، ثم أعلن في العام التالي تعافيها منه بشكل كامل.
وخلال الأسبوع الذي بدأ بيوم الاثنين الموافق 2 من كانون الأول 2024، أرسلت أسماء الأسد رسائل إلى عدد من كبار مساعدي الحكومة وزملائها، تطلب منهم الحضور إلى دمشق. فاستُدعي الموظفون إلى مقار عملهم، وطُلب منهم إلغاء رحلاتهم، وأُبلغوا بأن السيدة الأولى ستصل في عطلة نهاية الأسبوع لعقد اجتماع مهم.
لكن لم يدرك أي من هؤلاء بأن الاجتماع كان مجرد غطاء، ففي الساعات الأولى من صباح الأحد 8 من كانون الأول، غادر بشار، برفقة نجله الأكبر حافظ ونجله الأصغر كريم، العاصمة من مطار عسكري قرب دمشق، متجهاً أولاً إلى قاعدة عسكرية روسية، ومنها إلى موسكو، حيث كانت بقية أفراد عائلة الأسد بانتظارهم، بعد أن مُنحوا حق اللجوء هناك.
واستناداً إلى إفادة شاهد وعدة مصادر أخرى، فإن أسماء الأسد ووالدها كانا موجودين في سوريا ليلة سقوط النظام. إلا أن والدها نفى ذلك، مؤكداً أنه كان برفقة ابنته في أحد مستشفيات موسكو في أثناء تلقيها العلاج من سرطان الدم.
استيقظ من بقي من أركان النظام المخلوع صباح يوم الأحد ليكتشفوا أن رئيسهم قد فرّ، وأن قوات المعارضة باتت تسيطر على العاصمة. وقال مصدر مطلع ومقرب من النظام: “خلال الأيام الأخيرة، أراد آل الأسد الحفاظ على صورة مفادها: كل شيء تحت السيطرة ولدينا خطة، حتى يبقى الناس في البلد. لكنهم في الواقع كانوا يمنحون أنفسهم فرصة للرحيل بأمان”.
ماتزال مشاعر الغضب عميقة بين المقربين من النظام المخلوع بعد أن تركهم خلفه، إذ ذكر المصدر نفسه بأن: “العالم لم يشهد مثل هذا القدر من انعدام الوفاء، إذ حتى صدام حسين أو معمر القذافي لم يظهرا هذا القدر من التخلي عن أتباعهما”.
في سوريا، جرى اعتقال عدد من الشخصيات البارزة التي ارتبط اسمها بالأجهزة الأمنية وعلى رأسهم عاطف نجيب، أحد المتهمين بتعذيب الأطفال في درعا عند انطلاق الثورة، وأمجد يوسف، الملقب بـ”جزار التضامن”، والمتهم بارتكاب مجزرة راح ضحيتها عشرات المدنيين في أحد الأحياء الواقعة جنوبي دمشق، كما اتهم في قضية منفصلة بإصدار موافقته على قتل ستة أطفال.
ويشير التقرير إلى أنه في الشهر الماضي انتشر مقطع فيديو يُعتقد أنه يوثق إعدام هؤلاء الأشقاء، الذين تراوحت أعمارهم بين عامين و12 عاماً، بحجة أنهم (إرهابيين).
ضحايا نظام الأسد في حالة انتظار دائم
لكن، باستثناء عدد محدود من القضايا البارزة، لم تتخذ هيئة العدالة الانتقالية التابعة للحكومة السورية الجديدة مقاربة منهجية واضحة بخصوص عملية المحاسبة، كما قوبلت مساعيها للحصول على دعم وتمويل من الاتحاد الأوروبي بالتحفظ، ويعود أحد أسباب ذلك إلى وقوف الاتحاد الأوروبي على الدوام ضد عقوبة الإعدام التي ما تزال سارية في سوريا كما هو الحال في معظم الدول العربية.
ويخلص التقرير إلى أنه، في ظل بطء الجهود المحلية والدولية الرامية إلى محاسبة مسؤولي النظام المخلوع، سيبقى ضحاياه بانتظار العدالة، ومن بينهم بيسان جمعة.
عندما كانت بيسان في الخامسة عشرة من عمرها، اعتُقلت على حاجز للنظام في أثناء محاولتها التوجه إلى منزل والدتها بدمشق. وكانت برفقة ابنها البالغ من العمر سنة ونصف، كما كانت حاملاً بطفلها الثاني، ولم يكن “ذنبها” سوى أنها كانت متزوجة من أحد مقاتلي المعارضة، ومع ذلك بقيت معتقلة لأكثر من سبع سنوات.
وبعد أن أُجبرت على وضع مولودها وهي مكبلة بالأصفاد، انتُزع طفلاها منها وأُودعا في دور للأيتام كانت تشرف عليها منظمات تابعة لأسماء الأسد. ورفضت تلك الدور طلبات تقدمت بها والدة بيسان وشقيقتها لتسليم الطفلين حتى يصبحا تحت عهدة العائلة.
وقالت بيسان إن أسماء الأسد كانت تزور طفليها خلال وجودهما في دار الأيتام، وأضافت: “لقد سجنت والديهما، وجعلت طفليهما يتيمين، وبعد ذلك أخذت تزور دار الأيتام وكأنها ملكة الرحمة”.
ولذلك، جرى اعتقال وزيرتين سابقتين للشؤون الاجتماعية، كانتا تديران دور الأيتام، وذكر مقربون من النظام المخلوع أنهما كانتا تعملان بتوجيه من أسماء الأسد، نظراً لدورهما في استخدام أبناء المعتقلين كورقة ضغط سياسية.
أما بيسان جمعة، التي التم شملها مع ولديها بعد سنوات من الفراق، فما تزال تنتظر أن تطول العدالة أعلى هرم في السلطة أيام النظام المخلوع، وعن ذلك تقول: “لقد أخذوا أطفالي مني، ولا أحد يستحق أن يعيش ما عشته، مهما كان. الله لا يسامحهم”.
تلفزيون سوريا



