أهالي الرقة غاضبون: احتجاجات على انقطاع مياه الشرب

في مشهد يعكس تفاقم الأزمة الخدمية في شمال سوريا، نفذ عشرات من أهالي بلدة خنيز في ريف الرقة الشمالي اعتصاماً حاشداً أمام مبنى محافظة الرقة، احتجاجاً على استمرار انقطاع مياه الشرب عن بلدتهم والقرى المجاورة لها لفترة طويلة تجاوزت الأشهر. رفع المحتجون لافتات تطالب بحلول فورية، وعبّروا عن غضبهم من صمت الجهات المعنية تجاه معاناتهم اليومية التي تتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف.

صرخة أهالي الرقة: مطالب واضحة وإحباط متزايد
طالب المعتصمون خلال الوقفة الاحتجاجية بثلاثة مطالب رئيسية تُعتبر شريان الحياة لأي مجتمع:
- إصلاح شبكات المياه المتضررة التي تعاني من تهالك كبير نتيجة الإهمال والصراع.
- تأمين المحروقات اللازمة لتشغيل محطات الضخ التي توقفت عن العمل، مما أدى إلى جفاف الصنابير.
- إيجاد حل جذري يضمن استمرارية الخدمة بدلاً من الحلول المؤقتة التي لم تثبت جدواها.
وأكد المحتجون أن هذا الانقطاع القسري أجبر العائلات على تحمل تكاليف إضافية باهظة لشراء المياه من الصهاريج الخاصة، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للأهالي بشكل حاد بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية. ولم يقتصر القلق على الجانب المالي فقط، بل امتد إلى المخاوف الصحية، حيث أشار السكان إلى أن الاعتماد على مصادر بديلة للمياه يثير تساؤلات جدية حول جودتها وسلامتها، خاصة مع عدم توفر أي جهة رقابية تفحص صلاحيتها للشرب.
وعود حكومية “تتبخر” أمام استمرار الأزمة
خلال الاعتصام، خرج مسؤول العلاقات العامة في محافظة الرقة للقاء المحتجين، واستمع إلى مطالبهم في محاولة لتهدئة الأوضاع. وتعهد المسؤول بنقل الملف إلى الجهات المختصة والعمل على إيجاد “حلول إسعافية” عاجلة. لكن المفارقة التي أثارت سخط الأهالي هي أن هذه الأزمة ليست جديدة، بل مستمرة منذ أشهر طويلة، دون أن تتمكن الجهات المعنية من إعادة الخدمة بشكل مستقر أو تقديم معالجة جذرية للمشكلة.
هذا الواقع جعل المتظاهرين ينظرون إلى الوعود الرسمية بعين الشك، معتبرين أنها مجرد “مسكنات” لا تعالج جوهر الأزمة، خاصة في ظل غياب خطة واضحة لصيانة البنية التحتية المتداعية.

أزمة لا تقتصر على خنيز: الفرات يجف ومعاناة تتفاقم
ما حدث في خنيز ليس حادثة منعزلة، بل حلقة من مسلسل أزمة مياه متفاقمة تشهدها مناطق واسعة من محافظة الرقة. فالقرى والبلدات في الريفين الشمالي والغربي تعاني من انقطاعات متكررة وطويلة الأمد، ويعزو السكان ذلك إلى عاملين رئيسيين:
تراجع منسوب نهر الفرات، المصدر الرئيسي للمياه في المنطقة، بسبب التغيرات المناخية والسدود التركية التي تحجز المياه في أعلى النهر.
نقص الدعم الحكومي المخصص لقطاع المياه، واستمرار تعطل عدد من محطات الضخ الحيوية، وتأخر أعمال الصيانة وتأمين مستلزمات التشغيل من محروقات وقطع غيار.
أمراض تتفشى: جودة المياه تهدد صحة السكان
لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتدت لتشكل تهديداً صحياً حقيقياً. ففي بلدة حزيمة، إحدى المناطق المتضررة، تم تسجيل حالات إصابة بـ التهاب الأمعاء بين الأهالي، نتيجة اضطرارهم للاعتماد على مصادر مياه بديلة وصهاريج خاصة تختلف جودتها بشكل كبير.
وهذا الواقع الصحي المقلق يزيد من معاناة السكان الذين باتوا يواجهون خطراً مزدوجاً: العطش من جهة، والأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة من جهة أخرى.
اختبار حقيقي للسلطات الجديدة
تضع أزمة المياه هذه السلطات المحلية في الرقة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة المنطقة بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) منها وحل المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية مطلع العام الجاري. فمع اتساع رقعة المناطق المتضررة لتشمل المنطقة الواقعة بين حزيمة ومشارف تل أبيض، إضافة إلى قرى الريف الغربي للمحافظة، تتعرض السلطات الجديدة لانتقادات متزايدة بشأن عجزها عن توفير واحدة من أهم الخدمات إلحاحاً للمواطنين.
ماذا بعد الاعتصام؟ المنطقة تترقب حلولاً لا وعوداً
مع استمرار الشكاوى والاحتجاجات، واتساع عدد المناطق المتضررة، وارتفاع درجات الحرارة التي تزيد من حدة الأزمة، يبقى السؤال الأهم: متى ستتحول الوعود الحكومية إلى أفعال على أرض الواقع؟ فالمواطن في الرقة يريد ماءً نظيفاً يصل إلى صنبوره، لا وعوداً إعلامية تتبخر مع أول موجة حر. الأيام القادمة ستكشف إن كانت السلطات قادرة على احتواء الأزمة وإعادة تشغيل البنية التحتية للمياه بصورة مستقرة، أم أن الاحتجاجات ستصبح ظاهرة معتادة في شوارع المدينة.
الحل نت



