الاخبار

سحب “الليرة التركية” من إدلب.. ماذا يعني لسوق الصرف في سوريا؟

في مشهد يعكس تحولاً جوهرياً في سياسة السلطات النقدية السورية، وفي خطوة تحمل أبعاداً سيادية واقتصادية عميقة، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي، صفوت رسلان، عن بدء ترتيبات عملية لسحب العملة التركية بشكل تدريجي من التداول في محافظة إدلب، وذلك بالتزامن مع إعادة فتح فرع المصرف المركزي في المحافظة بعد غياب دام نحو عشرة أعوام، في محاولة لإعادة توحيد سياسات الصرف واستعادة السيطرة على المنظومة النقدية في كامل الأراضي السورية.

جاء هذا الإعلان خلال حفل الافتتاح الذي حضره محافظ إدلب محمد عبد الرحمن، حيث أوضح رسلان أن المرحلة المقبلة ستشهد وقف ضخ أي كميات جديدة من الليرة التركية إلى داخل الأراضي السورية، بعد أن تم التوصل إلى تفاهمات مع الجانب التركي بشأن الآليات التنفيذية لهذه الخطوة، داعياً المواطنين إلى التعامل بشكل كامل بالليرة السورية في جميع معاملاتهم التجارية والمالية.

إرث سنوات التعامل بالليرة التركية
وتأتي هذه التحركات في وقت لم تحدد فيه الحكومة السورية إجراءات واضحة بشأن حجم الكتلة النقدية من الليرة التركية المتداولة حالياً في الشمال الغربي، لكن التقديرات تشير إلى أن هذه الكتلة كبيرة جداً، نتيجة لسنوات طويلة من التداخل الاقتصادي بين الجانبين في المناطق التي كانت خارج سيطرة النظام السابق، حيث أصبحت العملة التركية جزءاً من التفاصيل اليومية للحياة الاقتصادية هناك.

وكانت عملية تداول الليرة التركية في شمال سوريا قد انطلقت مع بدايات عام 2021، في خضم موجة من الانهيارات المتتالية للعملة السورية، ولا تزال هذه العملة حاضرة بقوة حتى اليوم في محافظة إدلب وأرياف حلب الغربية والشمالية والشرقية، حيث أصبحت وسيلة الدفع الأساسية في كثير من التعاملات.

تجدر الإشارة إلى أن المعارضة السورية كانت قد أعلنت في عام 2020 بدء تداول العملة التركية وحظر التعامل بالليرة السورية، مبررة ذلك بالتدهور الحاد في قيمة الليرة السورية وفقدانها جزءاً كبيراً من قوتها الشرائية، وهو ما جعل المواطنين يلجأون إلى العملة التركية كملاذ آمن نسبياً للحفاظ على مدخراتهم.

مخاوف من صدمة في سوق الصرف
في هذا السياق، ينظر خبراء الاقتصاد إلى الخطوة الجديدة بنظرة تتسم بالترقب والحذر، إذ يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن القرار قد يتسبب بصدمة طلب هائلة على الدولار، ذلك أنه لا يمنع التعامل بالدولار بل يمنع الليرة التركية فقط، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

يتساءل محمد عما سيفعله المواطن الذي أُجبر على التخلي عن الليرة التركية وكان يثق بها أكثر من الليرة السورية، حيث سيسارع إلى تحويل مدخراته من الليرة التركية إلى الدولار وليس إلى الليرة السورية، مما سيوفر طلباً فورياً وضخماً على الدولار في السوق الموازية ويؤدي إلى قفزة حادة في سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية، وفق ما نقلته عنه صحيفة “الوطن”.

ويضيف أن الخطوة ستؤدي إلى فقدان مخزون القيمة الوحيد المتبقي لملايين السوريين في الشمال، الذين كانت الليرة التركية بالنسبة لهم، رغم تدهور قيمتها، المخزن الأقل سوءاً مقارنة بالليرة السورية، وبإزالة هذا الخيار ستتحول كل المدخرات والتحوطات إلى الدولار والذهب، مما سيضاعف الضغط على الليرة السورية ويزيد من تآكل قيمتها.

شروط صعبة لتجنب الانعكاسات
يتجلى جوهر الإشكالية، وفقاً لأستاذ التمويل والمصارف، في أن سحب الليرة التركية سيُظهر العجز الحقيقي في السياسة النقدية، لأن هذه العملية تتطلب أن يكون لدى المركزي السوري غطاء كافٍ من الليرة التركية أو العملات الصعبة لمبادلتها، وهو أمر غير متوفر على الأرجح، مما سيؤدي إلى فجوة عرض في السوق يندفع إثرها الجميع نحو التدافع على الدولار القليل المتاح للتخلص من عملتهم التركية.

ويخلص إلى أن الأثر سيبقى سلبياً على سعر الصرف في المدى المنظور، ما لم يُقترن القرار بثلاثة شروط وصفها بالتعجيزية في السياق الحالي، وهي: بناء ثقة جذرية بالليرة السورية، مشيراً إلى أنه أمر غير موجود حالياً ويتطلب وقف التضخم وضبط المالية العامة وتوحيد سعر الصرف ووجود غطاء نقدي حقيقي؛ بالإضافة إلى توفير بديل موثوق للادخار بالليرة السورية كإصدار شهادات إيداع بفائدة حقيقية موجبة تغطي التضخم المتوقع؛ وفرض ضوابط صارمة على حركة رأس المال لمنع الهروب الجماعي المتوقع من الليرة السورية إلى الدولار فور تطبيق القرار.

اختبار صعب للسياسة النقدية
يشير محمد، في تشبيه وصفي، إلى أنه من دون هذه الشروط، فإن القرار يشبه محاولة علاج مريض بالسرطان المتمثل في الدولرة، عن طريق بتر ذراعه السليمة نسبياً والمتمثلة في منطقة التعامل بالليرة التركية، الأمر الذي سيصيب الجسد الاقتصادي بصدمة نزيف حاد ناجم عن الطلب الكثيف على الدولار، معتبراً أن النية استراتيجية وسليمة، لكن التطبيق في هذا التوقيت بالذات ومن دون أدوات سياسة نقدية فاعلة هو وصفة لتدهور إضافي وكبير في سعر الصرف.

ويأتي هذا التحذير في وقت تشير فيه بيانات سوق الصرف إلى أن سعر الليرة السورية في دمشق لا يزال يعاني من التقلبات، حيث سجل سعر الدولار الأميركي نحو 12950 ليرة للشراء و12875 للبيع، في حين بلغ سعر الليرة التركية 277 ليرة سورية للبيع، مما يعكس هشاشة الأوضاع النقدية الراهنة.

في المحصلة، يمثل سحب الليرة التركية من التداول في إدلب خطوة تحمل أبعاداً سيادية واقتصادية مهمة، لكنها في الوقت نفسه تشكل اختباراً حقيقياً لقدرة السياسة النقدية السورية على إدارة واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات، حيث يتوقف نجاحها على مدى قدرة الحكومة على توفير البدائل والإجراءات الاحترازية التي تحول دون انهيار جديد في قيمة العملة الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى