كم تبلغ قيمة اليورانيوم الإيراني المخصب؟

في خضم المفاوضات غير المعلنة بين واشنطن وطهران، برزت تسريبات إعلامية أميركية حول مقترح تبادل مثير للجدل: تسليم إيران 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% مقابل الإفراج عن مليارات الدولارات من أموالها المجمدة. هذا الطرح يطرح تساؤلات جوهرية حول القيمة الحقيقية لهذا المخزون، بين تكلفة إنتاجه المادية وقيمته الاستراتيجية التي تتجاوز أي سعر مالي.
اليورانيوم عالي التخصيب: سلعة بلا سوق تجارية مفتوحة
على عكس السلع العالمية، لا يوجد سوق تجاري حر لبيع وشراء اليورانيوم عالي التخصيب، لما له من حساسية نووية وقيد صارم بموجب الأطر الدولية. ولتقريب الصورة أكثر، تبدأ الرحلة من اليورانيوم الطبيعي الذي يحتوي على 0.7% فقط من نظير “اليورانيوم-235” القابل للانشطار، ويُباع “مُركّز اليورانيوم” (الكعكة الصفراء) بسعر يتراوح بين 100 و200 دولار للكيلوغرام الواحد.
أما اليورانيوم منخفض التخصيب (3% إلى 5%)، المستخدم في محطات الطاقة النووية المدنية، فتتراوح قيمته التقديرية بين 2000 و10 آلاف دولار للكيلوغرام الواحد.
كم تبلغ تكلفة كيلوغرام واحد من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%؟
وفقاً لتحليلات دراسات منع الانتشار النووي، يُقدّر أن تكلفة إنتاج كيلوغرام واحد من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% تتراوح بين 100 و300 ألف دولار، مع العلم أن هذا الرقم تقديري، ويعتمد على عوامل متشابكة تشمل:
سعر اليورانيوم الخام في الأسواق العالمية.
تكاليف التحويل الكيميائي إلى غاز سادس فلوريد اليورانيوم (UF₆).
كفاءة تقنية الطرد المركزي المستخدمة واستهلاكها للطاقة.
مدة التخصيب وجهد الهندسة النووية المطلوبة.
ومن المفارقات التقنية المهمة أن الانتقال من نسبة 0.7% إلى 60% يتطلب جهداً ووقتاً أكبر بكثير من الانتقال من 60% إلى 90% (المعروف بمستوى صنع الأسلحة)، ما يفسر لماذا تركز الدول على عتبة الـ60% كنقطة تحول استراتيجي.
كلفة البنية التحتية: منشآت التخصيب وأجهزة الطرد المركزي
لا تقتصر القيمة على المادة الخام فحسب، بل تشمل البنية التحتية الضخمة التي تستلزمها عملية التخصيب:
أولاً: كلفة إنشاء منشأة تخصيب:
تختلف التكلفة بشكل كبير حسب الحجم والطاقة الإنتاجية، فمثلاً:
كلفت محطة “يورينكو” الأميركية نحو 3 إلى 5 مليارات دولار.
بلغت كلفة محطة “أورانو جورج بيس 2” الفرنسية حوالي 3 مليارات دولار.
بينما تتراوح كلفة محطة تخصيب متوسطة الحجم بين مئات الملايين إلى عدة مليارات، حسب الطاقة الإنتاجية، وهذا يختلف تماماً عن تكلفة بناء مفاعل نووي لتوليد الكهرباء والذي قد يصل إلى 5-20 مليار دولار.
ثانياً: سعر جهاز الطرد المركزي الواحد:
لا تتوفر قائمة أسعار رسمية لهذه المعدات الحساسة، لكن التقديرات تشير إلى:
- الأجهزة القديمة من الجيل الأول (مشابهة لطراز IR-1 الإيراني): تتراوح بين 20 و100 ألف دولار للجهاز الواحد.
- الأجهزة المتطورة (مثل IR-6): قد تتراوح بين 100 و500 ألف دولار أو أكثر.
- وليس جهاز الطرد المركزي وحده، بل تحتاج المنشأة إلى آلاف الأجهزة، إضافة إلى أنظمة تفريغ الهواء، ومعدات مناولة غاز UF₆، وأنظمة مراقبة الإشعاع، ومصادر طاقة مستقرة.
القيمة المادية للمخزون الإيراني: عشرات الملايين فقط!
بناءً على المعطيات أعلاه، يُقدّر أن مخزون إيران البالغ حوالي 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% تتراوح قيمته المادية الإنتاجية بين 20 و50 مليون دولار (باحتساب 100-300 ألف دولار للكيلوغرام الواحد).
لكن هذه القيمة المادية تبدو متواضعة جداً مقارنة بما تتنازل عنه واشنطن من مليارات الدولارات المجمدة، مما يكشف أن الصفقة المرتقبة لا تتعلق بالسعر المادي بقدر ما تتعلق بالقيمة الاستراتيجية الهائلة لهذه المادة.
القيمة الاستراتيجية: مادة كافية لصنع 9 أسلحة نووية
هنا يكمن جوهر المسألة: يحتوي 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% على حوالي 270 كيلوغراماً من نظير “اليورانيوم-235” النقي. وإذا تمت عملية تخصيب إضافية لرفع النسبة إلى 90% (مستوى صنع الأسلحة)، فإن هذه الكمية تكفي نظرياً لصنع ما بين 9 إلى 10 أسلحة نووية، وفقاً لمعايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
هذا الرقم يحول المخزون من مجرد مادة خام إلى رادع استراتيجي هائل، تثمنه الحكومات بمليارات الدولارات ليس لقيمته المادية، بل لما يوفره من قدرة تفاوضية ونفوذ جيوسياسي في أي معادلة إقليمية أو دولية.
لماذا ترى واشنطن في هذا المخزون أضعاف ثمنه؟
من هذا المنطلق، يصبح تفسير استعداد الولايات المتحدة للإفراج عن مليارات الدولارات مقابل 450 كيلوغراماً من اليورانيوم مفهوماً تماماً، فهي لا تشتري يورانيوم، بل تشتري:
- تأخيراً للقدرة النووية الإيرانية، ودفعها إلى الوراء سنوات من التخصيب المتقدم.
- ضمانات إضافية بعدم توجيه هذه المادة نحو التسلح.
- تهدئة إقليمية في منطقة مضطربة، وتقليص احتمالات التصعيد العسكري.
اندبندنت عربية



