أسعار المحروقات تشعل القامشلي والحسكة.. أين يذهب المازوت؟

في مفارقة اقتصادية لافتة، تشهد محافظتا الحسكة والقامشلي، اللتان تضمان الجزء الأكبر من حقول النفط والغاز في سوريا، أزمة خانقة في توفير مادة المازوت، ما دفع بالمواطنين إلى الخروج في احتجاجات شعبية وإغلاق طرق رئيسية، في مشهد يعكس تناقضاً صارخاً بين وفرة الموارد وشحّ توزيعها.
احتجاجات غاضبة.. وأسعار تقفز في أيام
اندلعت الاحتجاجات في مدينة القامشلي، الأحد، على خلفية ارتفاع أسعار المحروقات، حيث أحرق محتجون إطارات مطاطية وأغلقوا طرقاً رئيسية، مطالبين بإعادة النظر في سياسات التسعير وضمان وصول المازوت المدعوم إلى المواطنين.
وجاءت هذه التحركات بعد أيام من قرار رفع الأسعار، حيث قفز سعر ليتر المازوت الحر من 55 سنتاً إلى 75 سنتاً، فيما بلغ سعر المازوت القادم من المصافي الحكومية 88 سنتاً لليتر، وهو الأعلى منذ سنوات، بينما ارتفع سعر البنزين المدعوم إلى 55 سنتاً، والبنزين الحر إلى دولار وعشرة سنتات.

النقل والماء والخبز.. سلسلة غلاء لا تتوقف
امتدت تداعيات ارتفاع الوقود إلى كافة القطاعات الحيوية:
النقل الداخلي: رفع سائقو السرافيس أجرة الراكب من 3 آلاف إلى 5 آلاف ليرة سورية، مما زاد الأعباء على الموظفين والطلاب.
الكهرباء: مع اعتماد المنطقة شبه الكامل على المولدات الخاصة، اضطر أصحابها إلى تقليص ساعات التشغيل ورفع الاشتراكات، وسط تحذيرات من حرمان الأسر من الكهرباء في ذروة الصيف.
المياه: هدد أصحاب الصهاريج بارتفاع أسعار نقل المياه وانخفاض عدد الرحلات اليومية، نتيجة نقص وقود التشغيل.
الخبز: علقت الأفران السياحية عملها مؤقتاً، ثم استأنفت الإنتاج بتسعيرة جديدة بلغت 6 آلاف ليرة للربطة، مع تخفيض وزنها من 600 إلى 500 غرام لتقليل الخسائر.

دمج مؤسسي يعطل التوزيع.. واتهامات متبادلة
يرجع المراقبون أزمة الوقود إلى عوامل عدة، أبرزها:
- تباطؤ عمليات الدمج الإداري بين مؤسسات النفط التابعة للحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، مما أثر على سلاسة التوزيع.
- ارتفاع الطلب الموسمي بالتزامن مع موسم الحصاد وزيادة الاعتماد على المضخات الزراعية والمولدات.
- اتساع عمليات التهريب بفعل الفارق السعري الكبير بين المازوت المحلي والمازوت القادم من المصافي الحكومية.
وتتبادل الجهات الرسمية الاتهامات حول المسؤولية، حيث حمّل مصدر حكومي في الحسكة الشركة السورية للبترول مسؤولية عدم تأمين كميات كافية، فيما نفى مدير خدمات الطاقة في المحافظة مسؤولية الحكومة، مرجحاً أن تكون قرارات رفع الأسعار صادرة عن جهات تابعة لـ”قسد”.
إغلاق طرق في ريف الحسكة.. وغضب يتوسع
في تطور نوعي، أغلق أهالي قرى في ريف الحسكة الجنوبي طرقاً رئيسية أمام صهاريج النفط الخارجة من حقل “الجبسة”، مطالبين بإعطاء الأولوية لتأمين احتياجات السكان المحليين من المحروقات، وتحسين الخدمات الأساسية، ومعالجة ملفات العمال المفصولين، في مؤشر على أن الغضب الشعبي لم يعد محصوراً بالمدن.

اختبار حقيقي لإدارة الثروة النفطية
تعكس أزمة المحروقات في الحسكة والقامشلي تحدياً أكبر من مجرد نقص وقود، فهي اختبار حقيقي لقدرة السلطات الجديدة على إدارة واحدة من أغنى مناطق سوريا بالموارد الطبيعية. فوجود حقول النفط لا يكفي لتأمين احتياجات السكان، بل يحتاج إلى إدارة رشيدة، وسياسات تسعير عادلة، ومحاربة فعالة للتهريب، وحسم صلاحيات الجهات المشرفة على القطاع.
وما لم تُعالج هذه الاختلالات، فإن الاحتجاجات مرشحة للاتساع، وسيبقى المواطن السوري في شمال شرق البلاد يدفع ثمن أزمة لا تعكس نقصاً في النفط، بقدر ما تعكس أزمة في إدارة ثروته الوطنية.
الحل نت



