الاخبار

سوريا أمام عقدة 1979.. رفع التصنيف كمدخل لتخفيف العزلة المالية

على الرغم من مرور عام على تخفيف العقوبات الأميركية الواسعة عن سوريا، لا تزال دمشق مصنفة ضمن قائمة “الدول الراعية للإرهاب”. هذا التصنيف، الذي يعود لعام 1979، تحول إلى عائق حقيقي أمام تحويل القرارات السياسية إلى تدفقات مالية ملموسة.

القنوات المالية مغلقة.. لماذا لا يكفي تخفيف العقوبات؟
المشكلة ليست في القرارات، بل في تنفيذها على أرض الواقع المصرفي. فالبنوك والشركات العالمية، خوفًا من الخروج على القانون الأميركي، تتعامل مع أي تحويل أو عقد مع سوريا من خلال:

  • كلفة امتثال عالية جدًا
  • مراجعات قانونية طويلة ومعقدة
  • خوف من فقدان الوصول إلى الدولار أو البنوك المراسلة

النتيجة: تخفيف العقوبات يبقى محدود الأثر طالما أن القنوات المالية الدولية لا تزال خارج المسار العملي للتعافي.

الفرق بين “تخفيف العقوبات” و”إزالة التصنيف”.. مساران مختلفان تمامًا
لفهم سبب هذا البطء، يجب التفريق بين آليتين:

المسار آلية القرار الجهة المسؤولة
تخفيف العقوبات الاقتصادية صلاحيات تنفيذية وزارة الخزانة والإدارة
إزالة قائمة الدول الراعية للإرهاب تشريعي وأمني مراجعة رئاسية + موافقة الكونغرس
ما الذي تتطلبه إزالة التصنيف؟
مراجعة سياسية وأمنية داخل الإدارة الأميركية

تقرير رئاسي إلى الكونغرس يؤكد أن سوريا لم تدعم الإرهاب خلال 6 أشهر

ضمانات بعدم الدعم مستقبلًا

مهلة مراجعة تشريعية تمتد 45 يومًا

لهذا السبب، بقي ملف التصنيف أبطأ من قرارات التخفيف، وأشد ارتباطًا بحسابات القانون والكونغرس والمصارف.

جذور المشكلة.. منذ عام 1979 حتى اليوم

1979: إدراج سوريا في القائمة الأولى لدعم الإرهاب (بسبب اتهامات بدعم فصائل فلسطينية ولبنانية)

2003: تعميق الضغوط عبر “قانون محاسبة سوريا”

2011–2025: عقوبات متراكمة تزامنت مع سنوات الثورة

2025: قرار تخفيف العقوبات الواسعة (يبقي ملف التصنيف منفصلًا عن قرارات الخزانة)

القنوات المالية: الخزانة الأميركية vs. الانفتاح الأوروبي
المصارف الدولية لا تتصرف وفق “الرغبة السياسية العامة”، بل حسب موقع سوريا في القوائم الأميركية.

الدولار والبنوك المراسلة يفرضان تكلفة امتثال مرتفعة

الشركات تنتظر وضوحًا أميركيًا أكبر قبل الدخول إلى السوق السورية

بالمقابل، ماذا يفعل الأوروبيون؟
أيار الماضي: الاتحاد الأوروبي يعيد تفعيل اتفاق التعاون مع دمشق (المعلق منذ 2011)

تمديد العقوبات الموجهة ضد أفراد وكيانات من عهد الأسد حتى حزيران 2027

شطب بعض الجهات السورية من لوائح العقوبات

الهدف الأوروبي: توسيع القنوات الاقتصادية والخدمية، لكن ضمن إطار قانوني مضبوط. لكن بقاء التصنيف الأميركي يعيق تحويل هذا الانفتاح إلى عقود وتمويل ومصارف.

مثال عملي: ملف الموانئ واللوجستيات
في أيار الماضي، وقعت دمشق اتفاقًا مع شركة CMA CGM الفرنسية لتشغيل ميناءين جافين في عدرا وحلب، بالتزامن مع تجربة نقل بضائع بالقطار من مرفأ اللاذقية إلى عدرا.

هذه الخطوة تعيد التجارة إلى مسارها المادي، لكنها تحتاج إلى:

  • منظومة مالية قادرة على تمويل الشحن والتأمين والاعتمادات
  • مصارف تتعامل مع سوريا بتكلفة امتثال أقل

الخبير دان قزي: الأثر الحقيقي في تكلفة الاستيراد والتمويل اليومي
وفقًا للخبير الاقتصادي دان قزي في تصريح لموقع “تلفزيون سوريا”:

“الأثر الاقتصادي الأوضح لبقاء سوريا على القائمة يظهر في تكلفة التعامل مع الخارج، وليس في حجم التبادل التجاري نفسه.”

سلسلة الكلف المتراكمة التي يتحملها أي مستورد أو مستثمر داخل سوريا:

  • استشارة قانونية مكلفة
  • تدقيق على مصدر الأموال
  • فحص المستفيدين النهائيين
  • تأمين الشحن
  • فتح اعتمادات مصرفية
  • ضمان التحويلات

النتيجة: السعر النهائي للسلع والخدمات يرتفع بشكل كبير، حتى عندما يكون الإطار القانوني العام يسمح ببعض التعاملات.

ماذا سيحدث إذا أزيل التصنيف؟
وفقًا لقزي، الأثر سيكون فوريًا في:

  • التجارة اليومية
  • التحويلات الصغيرة والمتوسطة
  • تمويل الاستيراد

لأن هذه القطاعات تتحرك أسرع من الاستثمارات الكبرى، وتحتاج إلى:

  • مصارف مراسلة
  • شركات تأمين
  • جهات شحن واضحة
  • آليات دفع سريعة

هل هذا كافٍ لإنقاذ الاقتصاد السوري؟
لا، يوضح قزي أن رفع التصنيف وحده لا يعالج المشاكل الهيكلية. فالمصارف الخارجية ستطلب:

  • بيانات مالية دقيقة
  • شركاء محليين واضحين
  • قواعد امتثال قابلة للتطبيق

نظامًا مصرفيًا محليًا قادرًا على مخاطبة البنوك المراسلة بـ”لغة مهنية موثوقة”

لكنه بالتأكيد سيزيل عائقًا كبيرًا أمام الشركات التي لديها مصلحة حقيقية في السوق السورية.

الداه يعقوب: قراءة من داخل آلية القرار الأميركي
يقول المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الأميركية الداه يعقوب لموقع “تلفزيون سوريا”:

“الإدارة تستطيع تخفيف عقوبات واسعة عبر صلاحيات تنفيذية، لكنها تحتاج في ملف التصنيف إلى مسار أكثر ارتباطًا بوزارة الخارجية والجهات الأمنية والكونغرس.”

يرى يعقوب أن أي إزالة لاحقة للتصنيف ستعني أن الإدارة الأميركية وصلت إلى صيغة توازن بين:

  • فتح هامش أوسع للتعاملات المشروعة مع سوريا
  • وحماية أدواتها القانونية في ملفات العقوبات الموجهة

تدرج وليس تبدلًا مفاجئًا.. ماذا ننتظر؟
حاليًا، المسار الأميركي أقرب إلى تدرج مؤسسي منه إلى انفراجة مفاجئة.

أهمية إزالة التصنيف (عند حصولها) لن تكون في “تدفق الرساميل”، بل في:
خفض تكلفة العزلة المالية
تحويل هامش السماح السياسي إلى قنوات مصرفية وتجارية حقيقية
تمكين الشركات السورية من شراء المواد الأولية وتمويل الشحنات بشروط أقل تكلفة
إعطاء إشارة أوضح للعواصم العربية والأوروبية عن حدود الانفتاح الممكن

تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى