اخبار ساخنة

لماذا لا يصدأ الذهب أبدا… السر وراء بريقه الدائم

الذهب لا يصدأ، لا يتغير لونه، ولا يفقد بريقه حتى بعد آلاف السنين. على عكس الحديد الذي يتحول إلى كتلة صدأ بنية، والفضة التي تفقد بريقها وتصبح داكنة، يظل الذهب كما هو: أصفر، لامع، وجذاب. لطالما اعتبر البشر هذه الخاصية “سحرية”، لكن العلماء اكتشفوا أخيراً التفسير الذري الدقيق لهذه المقاومة الخارقة للصدأ. والأجمل أن السبب بسيط ومدهش.

أولاً: ماذا يعني “الصدأ” بالضبط؟
قبل أن نغوص في سر الذهب، من المفيد أن نفهم ما الذي يحدث للمعادن الأخرى:

الحديد يتفاعل مع الأكسجين والماء ليتحول إلى أكسيد الحديد (الصدأ البني المتفتت).

النحاس يتفاعل ببطء مع الأكسجين ليتحول إلى اللون الأخضر.

الفضة تتفاعل مع الكبريت في الهواء (وليس الأكسجين) لتصبح سوداء.

في كل هذه الحالات، ترتبط ذرات المعدن السطحية بذرات من الهواء (أكسجين، كبريت)، مما يغير لونها وبنيتها. هذا ما يسمى بالأكسدة، وهي عملية كيميائية يمكن أن تضعف المعدن مع مرور الوقت.

أما الذهب، فهو نادراً ما يتفاعل بهذه الطريقة. حتى في الهواء الرطب أو الملوث، يظل صامداً. الكيميائيون يسمون هذا “النبل الكيميائي” : فالذهب من أقل المعادن المعروفة تفاعلاً.

لغز الأكسجين: لماذا لا ينشطر على سطح الذهب؟
لأعوام طويلة، عرف العلماء أن الذهب لا يسمح لجزيئات الأكسجين (O₂) بالانقسام بسهولة إلى ذرات أكسجين نشطة على سطحه. وانشطار الأكسجين هو الخطوة الأولى عادة في تفاعلات الصدأ. لكن لم يفهم أحد لماذا يمتلك الذهب هذه القدرة الفائقة على إيقاف هذا الانشطار.

السر ليس في نوع ذرات الذهب نفسها، بل في طريقة ترتيبها على السطح.

نوعان من أسطح الذهب (وكلاهما يحدث فرقاً كبيراً)
استخدم العلماء محاكاة حاسوبية متطورة لمراقبة ما يحدث عندما تصطدم جزيئات الأكسجين بسطح الذهب على المستوى الذري. وقارنوا بين نمطين هندسيين أساسيين:

1. النمط “السداسي” (المتراص بإحكام – مثل خلية النحل)
في هذا الترتيب، تتقارب ذرات الذهب بشدة في شبكة سداسية منتظمة.

هذا هو النمط الطبيعي الذي نجده على قطع الذهب الكبيرة والملساء، مثل العملات المعدنية والسبائك.

عندما تصطدم جزيئة أكسجين بهذا السطح، لا تجد مساحة كافية للتمدد أو الانحناء أو الانفصال. فالذرات متقاربة جداً لدرجة أنه لا يوجد “نقطة ارتكاز” مناسبة لترتكز عليها الرابطة الأكسجينية وتضعف.

النتيجة: ترتد جزيئة الأكسجين بعيداً سليمة، ويبقى الذهب كما هو دون تغيير.

2. النمط “المربع” (الأكثر تباعداً)
هنا، تكون ذرات الذهب أكثر تباعداً ومرتبة في شبكة أقرب إلى الشكل المربع.

يظهر هذا النمط عادة على حواف وزوايا وأسطح غير منتظمة لجزيئات الذهب الصغيرة جداً (النانوية).

عندما تهبط جزيئة أكسجين على هذا السطح، تجد مساحة أكبر للاستقرار، وتجد “موطئ قدم” يسمح لها بالتمدد والانشطار.

النتيجة: تنقسم جزيئة الأكسجين إلى ذرتين منفردتين يمكنهما التفاعل مع المعدن.

هذا يفسر لغزاً شهيراً في الكيمياء: لماذا الذهب النانوي “نشط” بينما الذهب العادي “خامل”؟
لطالما حير الكيميائيون في سبب أن الذهب العادي (كالسبائك) خامل وغير متفاعل، بينما جزيئات الذهب النانوية (الصغيرة جداً) تعمل كمحفزات فعالة جداً للتفاعلات التي تتضمن الأكسجين.

الإجابة تكمن في الحجم:

في قطع الذهب الكبيرة، يُعاد ترتيب معظم السطح تلقائياً ليشكل النمط السداسي المحكم (الخامل).

أما في جزيئات الذهب النانوية، فهي صغيرة جداً بحيث لا يمكنها تشكيل هذا النمط السداسي المستقر بالكامل. غالباً ما تحتوي على حواف وزوايا وأشكال غير منتظمة تُظهر النمط “المربع” الأكثر تفاعلاً.

على هذه الأجزاء المربعة من الجزيء النانوي، يمكن لجزيئات الأكسجين أن تنشطر بسهولة أكبر، مما يجعل الذهب النانوي محفزاً قوياً، رغم أن الذهب العادي معروف بخموله.

مقاومة الذهب للصدأ: “صدفة” ناتجة عن استقراره!
من أكثر النتائج إثارة للدهشة في هذه الدراسة أن مقاومة الذهب للصدأ ليست نتيجة تصميم مثالي، بل هي مجرد “أثر جانبي” لاستقراره. النمط السداسي المتراص هو أدنى حالة طاقة لذرات سطح الذهب، أي أن الذرات تميل بطبيعتها إلى الترتيب بهذه الطريقة. وبما أن هذا النمط المستقر لا يسمح بانشطار الأكسجين، فإن مقاومة الصدأ تأتي كنتيجة ثانوية وليس كهدف أساسي.

كيف يمكن للعلماء تغيير سلوك الذهب؟ (تطبيقات عملية)
هذا الفهم الجديد يفتح آفاقاً مثيرة: يمكن التحكم في مدى تفاعل الذهب بمجرد تغيير هندسة سطحه.

لجعل الذهب أكثر خمولاً (مقاومة للصدأ):

يجب التأكد من أن السطح أملس ومتراص قدر الإمكان لتعزيز النمط السداسي.

هذا مفيد جداً للمجوهرات والأشياء الزخرفية والمكونات طويلة الأمد التي يجب أن تحافظ على لمعانها.

لجعل الذهب أكثر نشاطاً (محفزاً):

يمكن تصميم أسطح أو جسيمات نانوية من الذهب تحافظ على الأنماط المربعة أو المستطيلة.

يمكن تحقيق ذلك عن طريق صنع جسيمات صغيرة جداً، أو اختيار أوجه بلورية خاصة، أو استخدام دعائم تثبت السطح في شكل هندسي تفاعلي.

التطبيقات العملية واسعة:

محفزات أفضل: يمكن تصميم محفزات قائمة على الذهب أكثر كفاءة في تنظيف غازات العادم، وحرق الملوثات، وتحويل المواد الكيميائية الضارة إلى مواد آمنة.

مواد مستقرة ومتفاعلة في آن واحد: يمكن الحفاظ على الذهب في أجزاء من الجهاز بشكله الخامل لمقاومة التآكل، وفي أجزاء أخرى تشكيل سطحه ليكون تفاعلياً، بحيث تؤدي مادة واحدة وظيفتين مختلفتين.

الخلاصة: السلوك الكيميائي ليس فقط في المادة، بل في ترتيب ذراتها
يكشف هذا البحث أن السلوك الكيميائي للمادة لا يعتمد فقط على مكوناتها (نوع الذرات)، بل بشكل كبير على كيفية ترتيب هذه الذرات على سطحها. هذه الفكرة تفتح آفاقاً جديدة لتصميم معادن ومحفزات أخرى للتقنيات المستقبلية، مما يسمح لنا بتسخير خصائص المواد بطرق لم نكن نحلم بها من قبل. فالذهب، ذلك المعدن الثمين، لا يزال يخبئ لنا الكثير من الأسرار.

سبوتنيك عربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى