الاخبار

“دولة الموافقات”.. كيف تخنق الإجراءات الاحترازية حركة الاستثمار في سوريا؟

في الوقت الذي تحتاج فيه سوريا إلى تدفق رؤوس الأموال وإعادة الإعمار، تتصاعد الأوساط التجارية شكاوى من توسع الإجراءات الرقابية والاحترازية التي تصفها بـ”الخانقة”. المحللون ورجال الأعمال يحذرون من أن المناخ الاقتصادي الحالي لم يعد مجرد بيئة بطيئة، بل تحول إلى سبب مباشر لتجميد الشركات أو تقليص أعمالها.

اقتصاد يتحول إلى “مساحة انتظار دائمة”
وفقاً لرجال أعمال ومستثمرين تحدثوا لمنصة “هاشتاغ”، فإن المشكلة لم تعد محصورة في الضرائب المرتفعة أو ضعف السيولة أو حتى العقوبات الخارجية. الخطر الجديد، كما يصفونه، يكمن في ظهور “دولة الموافقات”، حيث أصبحت أي معاملة تجارية أو مصرفية تحتاج إلى موافقات متسلسلة وتقارير معقدة قد تعطل شركة بأكملها أو تجمد نشاط مستثمر لأشهر طويلة.

أحد التجار يصف الواقع الحالي بعبارة لاذعة:

“الاقتصاد تحول إلى مساحة انتظار دائمة. أي إجراء بسيط قد يبقى معلقاً بين أكثر من جهة رقابية أو مالية أو إدارية.”

بيئة خوف: أي تقرير قد يتحول إلى منع سفر وتجميد حسابات
المصادر التجارية تشير إلى أن الحالة النفسية السائدة في السوق هي “الخوف”، وذلك لأن أي شكوى أو تقرير أو إخبار (قد يكون غير دقيق) يمكن أن يتحول سريعاً إلى:

  • منع سفر.
  • حجز احتياطي على الأموال.
  • تجميد حسابات مصرفية.
  • تعطيل السجل التجاري.

وهذه الإجراءات تُتخذ أحياناً قبل انتهاء التحقيق أو صدور أي حكم قضائي، مما يخلق حالة من عدم اليقين والشلل لدى التجار، حتى أولئك الذين لم يرتكبوا أي مخالفة.

عودة “السماسرة” والوسطاء: النفوذ يسبق القانون
ليس فقط البطء هو المشكلة. المصادر تؤكد أن البيئة الحالية أنتجت تلقائياً شبكات غير رسمية من الوسطاء والسماسرة، أشخاص قادرون على “تليين” الإجراءات وتسريع الموافقات، لكن ذلك يتم مقابل مبالغ مالية أو عبر علاقات خاصة.

وبحسب مستثمرين، فإن هذا الواقع يعيد إنتاج جزء من البنية القديمة التي كانت تتحكم بالسوق عبر النفوذ والوساطات في عهد النظام السابق، حتى لو تغيرت الأسماء والعناوين الإدارية اليوم.

“الحجز قبل المحاكاة”.. إجراءات عقابية تسبق التحقيق
الجزء الأكثر إثارة للقلق في ملف الإجراءات الجديد هو توسع استخدام الحجز الاحتياطي ومنع السفر وتجميد الحسابات. تقول المصادر إن هذه القرارات كانت في الأصل إجراءات استثنائية تتطلب قراراً قضائياً واضحاً، لكنها أصبحت تستخدم أحياناً بناءً على تقارير أولية أو شكاوى غير محسومة قضائياً.

أحد المستثمرين يشرح واقعه:

“الأصل أن تكون هذه الإجراءات استثنائية ومحدودة. لكن ما يحدث عملياً هو أن التاجر قد يجد نفسه ممنوعاً من السفر، ومجمدة حساباته، ومتوقفاً عن العمل قبل أن يبدأ التحقيق الفعلي معه.”

وبحسب المصادر، فإن الجمع بين الحجز المالي وتعطيل الحسابات والسجلات التجارية لا يضغط فقط على التاجر نفسه، بل ينعكس بشكل كارثي على الموظفين والموردين والعقود والتزامات الشركات كاملة.

اقتصاد الظل يعود.. والسوق السوداء تستعيد مكانتها
أحد أخطر التداعيات التي يحذر منها التجار هو أن هذه القيود المصرفية المشددة تدفع النشاط الاقتصادي نحو التعاملات النقدية غير الرسمية.

يقول أحد رجال الأعمال:

“أي اقتصاد طبيعي يحتاج إلى ثقة بين المستثمر والمصرف والدولة. لكن عندما يشعر التاجر أن حسابه قد يتجمد في أي لحظة بسبب تقرير أو إجراء إداري، فإنه سيبحث تلقائياً عن طرق أخرى لإدارة أمواله.”

والنتيجة، بحسب المصادر، هي إحياء غير مقصود لـ”اقتصاد الظل” والسوق السوداء، وهو ما يضعف الشفافية المالية والضريبية التي تقول السلطات إنها تسعى إلى تعزيزها.

تناقض حاد: بين دعوات الاستثمار وعقلية الرقابة
رجال الأعمال يرون تناقضاً كبيراً في الرسائل التي تصل إلى السوق. فمن جهة، تتحدث السلطات رسمياً عن حاجة البلاد إلى جذب الرساميل، وتشجيع المستثمرين السوريين في الداخل والخارج، وإعادة الإعمار. لكن من جهة أخرى، تشير المصادر إلى أن السوق بات يُدار بعقلية “الشبهة والرقابة” وليس “التنمية والإنتاج”.

المستثمرون يوضحون أنهم لا يبحثون فقط عن الربح، بل عن:

  • استقرار قانوني واضح.
  • بيئة يمكن فيها إدارة الأعمال دون خوف من قرارات مفاجئة.
  • ضمانات بعدم تعطيل نشاطهم لأشهر أو سنوات بسبب موافقة واحدة أو تقرير عابر.

حماية المال العام لا تعني تحويل السوق إلى سجن
في ختام تقريرها، تؤكد المصادر الاقتصادية والتجارية أن حماية المال العام وملاحقة الفساد تبقى ضرورة أساسية لا جدال فيها. لكن هذا الهدف النبيل لا يتحقق عبر تحويل السوق بالكامل إلى مساحة خوف وترقب، ولا عبر توسيع الإجراءات الاحترازية إلى درجة تصبح فيها الشركات والتجار تحت ضغط دائم، وكأنهم متهمون قبل أن تبدأ التحقيقات.

الرسالة الختامية لرجال الأعمال للسلطات واضحة: الاستثمار يحتاج إلى قانون واضح ومستقر، لا إلى بيئة يغلب عليها الخوف والانتظار.

هاشتاغ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى