ثغرة في عملية المحاسبة بسوريا: محاكمة عاطف نجيب

في تطور اعتبره الكثيرون تاريخياً، بدأت أول محاكمة جنائية لأحد كبار المسؤولين في نظام بشار الأسد البائد، العميد عاطف نجيب. لكن التساؤل الأكبر الذي يطرحه مراقبون وحقوقيون: هل هذه المحاكمة تمثل بداية حقيقية لملف المحاسبة، أم أنها خطوة شكلية تكشف التناقضات الكبيرة في سياسة الحكومة الانتقالية؟
مَن هو عاطف نجيب وماذا تنسب إليه التهم؟
عاطف نجيب هو ابن خالة بشار الأسد، وكان حتى آذار (مارس) 2011 رئيساً لفرع الأمن السياسي في مدينة درعا، المدينة التي انطلقت منها شرارة الاحتجاجات ضد النظام. في 26 نيسان (أبريل) 2026، افتتحت المحكمة الجنائية الرابعة في دمشق الدعوى ضده.
في جلسة الاستماع الثانية في 10 أيار (مايو) 2026، تلقت المحكمة ما لا يقل عن عشرة تهم خطيرة بحق نجيب، تشمل:
- القتل العمد.
- التسبب بموت أشخاص تحت التعذيب.
- الضلوع في ارتكاب مجازر.
- قمع الاحتجاجات السلمية.
- تعذيب قاصرين.
كما تم إدراج كل من بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد كمتهمين فارين من العدالة في القضية نفسها.
دفاع نجيب: “نُقلت في 22 آذار”.. والرد: التهم تسبق هذا التاريخ
أنكر العميد عاطف نجيب جميع التهام المنسوبة إليه وتمسك ببراءته، مدعياً أنه نُقل إلى منصب مختلف في 22 آذار (مارس) 2011، وبالتالي لم يعد يتمتع بأي سلطة على أجهزة الأمن منذ ذلك التاريخ.
لكن فريق الادعاء طعن في هذا الدفاع بشدة، لأن لائحة الاتهام تشمل أفعالاً ارتكبت في شباط (فبراير) 2011، أي قبل نقله المزعوم. كما أن السجلات التاريخية تؤكد أنه كان يتمتع بسلطة قيادية خلال حملة القمع في المرحلة الأولى من الاحتجاجات.
الثغرات القانونية: القانون السوري الحالي غير مؤهل لمحاكمة جرائم بحجم جرائم النظام
رغم أن قانون العقوبات السوري يجرم أفعالاً مثل القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي، إلا أنه يعاني من ثغرات جوهرية تمنع تحقيق عدالة كاملة:
أولاً: “جرائم ضد الإنسانية” غير مدرجة بشكل رسمي
النيابة العامة وصفت الأفعال المرتكبة بأنها “جرائم ضد الإنسانية” استناداً إلى المادتين 12 و49 من الإعلان الدستوري الجديد الصادر في 13 آذار (مارس) 2025. لكن المشكلة أن هذا الإعلان لم يُدمج بعد بشكل رسمي ضمن قانون العقوبات، مما يجعل الأساس القانوني لهذه التهمة واهياً من الناحية الإجرائية.
ثانياً: غياب “مسؤولية القيادة” عن النص القانوني
القانون السوري لا يتضمن أي مادة تتعلق بـ”مسؤولية القائد” أو “مسؤولية التسلسل القيادي” (تشبه المادة 28 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية). وهذا يعني أن الملاحقات ستبقى محصورة على مرتكبي الجرائم المباشرين فقط، بينما يفلت القادة الكبار (الذين أصدر الأوامر أو كانوا يعلمون ولم يتحركوا) من العقاب. هذه ثغرة توفر حماية فعلية لتسلسل القيادة.
ثالثاً: عقوبة الإعدام تعقّد التعاون القضائي الدولي
المادة 535 من قانون العقوبات السوري تنص على الحكم بالإعدام على مرتكب القتل العمد مع سبق الإصرار. بعض أهالي الضحايا يطالبون بتطبيق هذه العقوبة. لكن هنا تظهر مشكلة كبيرة:
- دول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة لا تسلّم المتهمين الذين قد يواجهون عقوبة الإعدام، إلا بضمانات دبلوماسية قوية جداً بعدم تنفيذ الحكم.
- هذه الدول تفرض قيوداً على تقديم أي مساعدة قانونية مشتركة في محاكمات قد تنتهي بالإعدام.
النتيجة: تعطيل مسار التعاون الدولي الذي تحتاجه النيابة العامة السورية لجمع الأدلة واستجواب الشهود في الخارج.
محاكمة غيابية لبشار الأسد.. وإجراءات إشكالية
افتتحت المحكمة أيضاً محاكمة غيابية ضد بشار الأسد، لكن الإجراءات تثير علامات استفهام كبيرة حول مدى التزام سوريا بالمعايير الدولية للحقوق المدنية والسياسية.
المادة 14(3)(د) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص على حق المتهم في محاكمة وجاهية، وأن يُبلّغ المتهم رسمياً بالتهم الموجهة إليه وموعد محاكمته.
في هذه القضية:
- الأسد لم يكن موجوداً في قاعة المحكمة.
- لم يوكل أي محامٍ للدفاع عنه.
- لم يثبت أن المحكمة بلّغته رسمياً بموعد المحاكمة.
رغم ذلك، أعلنت المحكمة في جلسة 10 أيار أن المتهمين الغائبين (بشار وماهر الأسد) أصبحوا “فارين من العدالة” استناداً إلى المادة 322 من قانون المحاكمات الجزائية السوري، وجردتهما من حقوقهما المدنية وأخضعت أصولهما لإدارة الحكومة.
روسيا تحمي الأسد.. والمحكمة الجنائية الدولية عاجزة عن الوصول إليه
يعيش بشار الأسد حالياً في موسكو تحت حماية روسية كاملة. روسيا سبق أن استخدمت حق النقض (الفيتو) في أيار (مايو) 2014 لمنع إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية.
ورغم أن المحكمة الجنائية الدولية يمكنها قانوناً إصدار مذكرة توقيف بحق الأسد، إلا أن ذلك:
- لا يُلزم روسيا (غير عضو في المحكمة) بتسليمه.
- يمنع الأسد فقط من السفر إلى 125 دولة عضواً في المحكمة حيث قد يُعتقل.
- لكن الملاحقات القضائية الدولية تبقى مفيدة لأنها تنشئ سجلاً أدلة دائماً وتبعث برسالة أن الجرائم لن تسقط بالتقادم.
لماذا ترفض الحكومة الانتقالية الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية؟
السبيل الأكيد لمنح المحكمة الجنائية الدولية ولاية قضائية على الجرائم في سوريا هو انضمام الحكومة الجديدة إلى نظام روما الأساسي مع منحها سلطة بأثر رجعي (كما فعلت أوكرانيا). المدعي العام للمحكمة، كريم خان، زار دمشق في كانون الثاني (يناير) 2025 وناقش الأمر مع الرئيس الشرع ووزير الخارجية.
لكن السلطات السورية الجديدة تتردد بشدة، لأسباب سياسية واضحة:
- الخوف من الملاحقة هم وحلفاؤهم على جرائم حرب محتملة ارتكبت في إدلب أثناء فترة حكمهم كقادة للثوار.
- المرسوم رقم 20 الصادر في 17 أيار (مايو) 2025، أسس “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” لكن تفويضه انحصر في “انتهاكات النظام البائد” فقط، مستثنياً بذلك الجرائم المنسوبة لفصائل مسلحة أخرى.
- العلاقة مع أميركا: إدارة ترامب تعادي المحكمة الجنائية الدولية وفرضت عقوبات على قضاتها، وسوريا تريد رفع العقوبات الأميركية عنها، لذا لا تريد الظهور بمؤيد للمحكمة.
- دول الخليج: معظمها لا يرحب بعضوية سوريا في المحكمة، وسوريا بحاجة ماسة لتمويل خليجي لإعادة الإعمار.
الاتحاد الأوروبي: الضاغط الأقوى لتحقيق العدالة الحقيقية
الاتحاد الأوروبي يعتبر حالياً الجهة الأكثر نفوذاً لتشجيع سوريا على اتخاذ خطوات جادة في ملف العدالة الانتقالية. ففي أيار (مايو) 2025، رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية عن سوريا، وأبقى فقط على قيود السلاح والعقوبات ضد شخصيات النظام البائد.
في 11 أيار (مايو) 2026، أعاد المجلس الأوروبي تفعيل اتفاقية التعاون مع سوريا بالكامل، وعقد أول حوار سياسي رفيع المستوى. وفي 18 أيار 2026، مدد العقوبات على مسؤولي النظام البائد حتى حزيران 2027، مع رفع العقوبات عن وزارتي الداخلية والدفاع.
توصية واضحة: ربط الدعم الأوروبي بعضوية المحكمة الجنائية الدولية
يقول المحللون: مع تزايد التفاعل الأوروبي السوري، ينبغي على الاتحاد الأوروبي ربط الخطوات التالية من رفع العقوبات ودعم إعادة الإعمار بمعايير واضحة، وهي:
- انضمام سوريا إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
- توسيع تفويض الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ليشمل جميع مرتكبي الانتهاكات، وليس فقط مسؤولي النظام البائد.
محاكمة نجيب فرصة يجب ألا تضيع
محاكمة عاطف نجيب يمكن أن تكون لحظة مفصلية في تاريخ المحاسبة في سوريا، إذا ما تعاملت معها الحكومة الانتقالية كبداية لمسار حقيقي وليس كحدث إعلامي عابر.
لكن كي تتحول هذه المحاكمة إلى أساس حقيقي للعدالة، تحتاج الحكومة إلى:
- دمج “الجرائم ضد الإنسانية” و”مسؤولية القيادة” في قانون العقوبات الوطني.
- حل مشكلة عقوبة الإعدام لتسهيل التعاون القضائي مع أوروبا.
- إعادة النظر في التردد تجاه المحكمة الجنائية الدولية، والانضمام إليها مع آليات حماية ذاتية من خلال مبدأ “التكامل” (أي إثبات أن سوريا قادرة على محاكمة مجرميها بنفسها، مما يحميها من تدخل المحكمة بموجب المادة 17 من نظام روما).
في النهاية، العدالة الحقيقية لا تتحقق بمحاكمة رمزية واحدة، بل ببناء نظام قانوني مؤسساتي قادر على محاكمة جميع مرتكبى الانتهاكات، مهما علا منصبهم، وأياً كان الانتماء الذي ينتمون إليه.
تلفزيون سوريا



