سوريا والاتفاقيات الإبراهيمية.. هل تصبح دمشق الهدف التالي لترامب؟

وضعت واشنطن ملف توسيع “الاتفاقيات الإبراهيمية” في صدارة أولويات تحركاتها بالشرق الأوسط، مدفوعة برؤية الرئيس دونالد ترامب الرامية إلى إعادة هندسة التحالفات الإقليمية. ويتزامن هذا التوجه مع جولات دبلوماسية أمريكية نشطة في عواصم المنطقة، تهدف إلى إدخال أطراف جديدة في منظومة السلام والدفع نحو ترتيبات استراتيجية شاملة
هذا الحراك يأتي بالتوازي مع:
- المفاوضات الأمريكية-الإيرانية.
- السعي لترتيبات إقليمية جديدة تضمن أمن إسرائيل.
- الحد من نفوذ خصوم واشنطن في المنطقة.
مفاوضات إيجابية مع إيران.. وتحذير من العودة إلى القتال
كان ترامب قد أعلن في 25 مايو الجاري أن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران “تسير بشكل جيد”، لكنه لم يتردد في إطلاق تحذير واضح:
“فشل التوصل إلى اتفاق سيقود إلى العودة إلى القتال، بشكل أكبر وأقوى من أي وقت مضى.”
كما كشف أنه ناقش مع عدد من قادة المنطقة توسيع اتفاقيات أبراهام، بالتزامن مع أي تسوية محتملة مع طهران.
سوريا: الساحة الأكثر تعقيدًا وحساسية
وسط هذا الحراك المتصاعد، يبرز اسم سوريا بوصفها واحدة من أكثر الساحات تعقيدًا، وذلك بسبب:
- استمرار احتلال الجولان.
- التحولات السياسية بعد سقوط النظام السابق.
- التوغلات الإسرائيلية المتواصلة داخل الأراضي السورية.
هذه العوامل جميعها تفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة: هل يمكن لدمشق أن تنخرط مستقبلًا في أي تفاهمات إقليمية جديدة؟
ترامب يسعى إلى “إنجاز دبلوماسي” جديد
يرى مراقبون أن إعادة إحياء الاتفاقيات الإبراهيمية لا تنفصل عن رغبة ترامب في تحقيق اختراق سياسي جديد خلال ولايته الثانية، خاصة أن ملف التطبيع العربي-الإسرائيلي كان أحد أبرز عناوين سياسته الخارجية في ولايته الأولى.
رؤية المحللين
درويش خليفة، الكاتب والمحلل السياسي، يقول:
“ترامب لطالما عُرف بسعيه لتحقيق مكاسب رمزية تُسجل في تاريخه السياسي. إعادة طرح الاتفاقيات الإبراهيمية تأتي ضمن محاولة جديدة لكسر حوافز الصراع العربي-الإسرائيلي.”
أما عمار جلو، الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن، فيضيف:
“ترامب يسعى إلى توسيع دائرة الاتفاقيات باعتبارها إنجازًا دبلوماسيًا قد يمنحه حضورًا سياسيًا استثنائيًا على المستوى الدولي.”
خلفية سريعة عن الاتفاقيات الإبراهيمية
انطلقت هذه الاتفاقيات عام 2020 برعاية أمريكية، وشملت حينها تطبيع العلاقات بين إسرائيل وكل من:
- الإمارات
- البحرين
- المغرب
- السودان
ومنذ ذلك الحين، وما زال الحديث الأمريكي متكررًا عن إمكانية توسيعها لتشمل دولًا أخرى في المنطقة.
ما موقع سوريا اليوم من هذه الاتفاقيات؟
مع الحديث المتزايد عن توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، تبرز تكهنات قوية حول إمكانية انضمام سوريا.
تعقيدات خاصة بالحالة السورية
درويش خليفة يرى أن الوضع السوري أكثر تعقيدًا، موضحًا:
“سوريا لديها سلطة انتقالية لا تمتلك الشرعية الدستورية الكاملة التي تخولها اتخاذ خطوة بهذا الحجم، رغم الدعم الأمريكي للحكومة السورية الحالية ورفع العقوبات عن بعض الشخصيات المرتبطة بها.”
كما يرتبط الملف السوري بـ:
- استمرار الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان.
- عدم وجود مؤشرات على استعداد تل أبيب للتخلي عنها.
- التوغلات الإسرائيلية المتواصلة داخل الأراضي السورية.
ليست اتفاقيات إبراهيمية بل “أرض مقابل سلام”
عمار جلو يرفض أساسًا توصيف أي تفاهم محتمل بين دمشق وتل أبيب باعتباره جزءًا من الاتفاقيات الإبراهيمية، معتبرًا أن هناك خلطًا سياسيًا وإعلاميًا في هذا السياق.
ويوضح:
“سوريا تختلف عن الدول التي وقعت اتفاقات التطبيع السابقة، لأنها تمتلك أراضي محتلة وحقوقًا مباشرة مرتبطة بإسرائيل. وبالتالي فإن أي اتفاق مستقبلي سيكون أقرب إلى مفهوم ‘الأرض مقابل السلام’، استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية.”
كما يشير إلى أن موقع سوريا الجغرافي والسياسي يجعلها شديدة الأهمية لإسرائيل، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية أو الجيوسياسية.
أهداف تتجاوز التطبيع: ماذا تريد واشنطن وتل أبيب من سوريا؟
يرى مراقبون أن المقاربة الأمريكية والإسرائيلية تجاه سوريا ترتبط بجملة من الأهداف الأمنية والاستراتيجية التي تتجاوز ملف التطبيع المباشر.
وفقًا لدرويش خليفة، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى:
- إبعاد النفوذ الإيراني بشكل كامل عن الأراضي السورية.
- تعزيز التعاون الأمني في ملف مكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية”.
- ضبط الحدود وإعادة ترتيب المشهد الأمني السوري.
- الوصول في النهاية إلى تطبيع كامل بين سوريا وإسرائيل، بما يفتح الباب أمام إعادة دمج دمشق ضمن المحور الغربي والخليجي.
أما عمار جلو، فيضيف أن واشنطن تريد من سوريا:
- أن تتحول إلى دولة غير منخرطة في أي محور معادٍ لإسرائيل أو الغرب.
- ألا تكون أراضيها منطلقًا لأي تهديد أمني مستقبلي.
- أما إسرائيل، فبحسب جلو، تسعى إلى:
- إبقاء الجغرافيا السورية مفتوحة أمام تحركاتها العسكرية والأمنية.
- توسيع المنطقة العازلة.
- ضمان بقاء سوريا دولة ضعيفة وغير مستقرة بالكامل.
- الاستفادة من سوريا كـ عقدة لخطوط الطاقة والنقل والتجارة نحو أوروبا.
تعقيدات تحول دون اتفاق شامل في المدى القريب
رغم الحراك الأمريكي المتزايد، فإن فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين سوريا وإسرائيل لا تزال تصطدم بعقبات سياسية وأمنية ودستورية معقدة.
درويش خليفة يؤكد:
“انضمام سوريا إلى الاتفاقيات الإبراهيمية لن يكون مطروحًا في المستقبل القريب، نظرًا إلى تعقيدات المشهد الداخلي والإقليمي.”
ويشترط لأي خطوة كهذه:
- وجود سلطة سورية شرعية ومعترف بها دوليًا.
- ترتيبات أمنية متعلقة بـ الجولان والحدود.
- وقف التدخل الإسرائيلي في الشأن الداخلي السوري.
عمار جلو يرى بدوره:
“الظروف الحالية غير مهيأة سياسيًا ودستوريًا وأمنيًا للوصول إلى اتفاق سلام شامل، خاصة في ظل استمرار التوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.”
ويضيف أن السلطة السورية الحالية لا تزال سلطة انتقالية، ولم تستكمل بعد بنيتها الدستورية والسياسية الكاملة، مما يجعل اتخاذ قرار بهذا الحجم أمرًا شديد التعقيد.
ويرى أن المسار الواقعي حاليًا قد يقتصر على تفاهمات أمنية أو ترتيبات لخفض التصعيد، قبل الانتقال لاحقًا إلى مسار سياسي أوسع قد يستغرق سنوات طويلة.
المكاسب السياسية والاقتصادية المحتملة
تثير فرضية انضمام سوريا إلى أي مسار تفاوضي مع إسرائيل تساؤلات واسعة حول المكاسب والخسائر المحتملة.
وفقًا لدرويش خليفة، قد تفتح هذه الخطوة الباب أمام:
- رفع العقوبات الدولية عن سوريا.
- دعم اقتصادي واسع لإعادة الإعمار.
- تعزيز الانفتاح على الغرب والدول الخليجية.
أما عمار جلو، فيتوقع أن يكون أي مسار تفاوضي:
- طويلًا وبطيئًا، وقد يمتد لسنوات.
- قد يفتح الباب أمام مشاريع اقتصادية وإقليمية كبرى تتعلق بخطوط الطاقة والغاز والتجارة.
- لكنه يؤكد أن العقبات لا تزال كبيرة، سواء بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان أو هشاشة الوضع السياسي الداخلي في سوريا.
الموقف السوري الرسمي: “إسرائيل تعرقل الاتفاق”
كشف مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، أن الوساطة الأمريكية ما زالت مستمرة للوصول إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، يرتكز على:
- اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
- عدم تدخل الإسرائيليين بالشؤون الداخلية السورية.
- عدم استغلال أي مشكلات داخلية لتبرير دخولهم لسوريا.
وأكد الأحمد، في حديث إلى قناة “المملكة” الأردنية في 12 أبريل الماضي، أن الاتفاق يقتضي انسحاب إسرائيل من جميع المناطق التي دخلتها بعد سقوط النظام السابق.
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني كان قد قال في 9 أبريل الماضي:
“الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في سوريا عرقلت الوساطة الأمريكية التي كانت تهدف للتوصل إلى اتفاق بين دمشق وتل أبيب.”
طريق طويل ومليء بالعقبات
باختصار، ورغم الحراك الأمريكي المكثف ورغبة ترامب في تحقيق إنجاز دبلوماسي جديد، فإن الطريق أمام أي اتفاق سوري-إسرائيلي لا يزال طويلًا ومليئًا بالعقبات. التعقيدات الداخلية في سوريا، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان، وهشاشة الوضع السياسي، كلها عوامل تجعل أي تقدم في هذا الملف مرهونًا بظروف استثنائية قد لا تتوفر في المدى المنظور.
عنب بلدي



