الشراء بالقطعة.. أسلوب جديد يفرض نفسه في الأسواق السورية

فرضت الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار تحولات واضحة في سلوك المستهلك السوري، حيث اتجهت شريحة واسعة من الأسر إلى شراء احتياجاتها اليومية بكميات صغيرة أو بالقطعة، في محاولة للتكيف مع ضعف القدرة الشرائية.
وبات هذا النمط الاستهلاكي أكثر انتشاراً في الأسواق، مع اعتماد الكثير من العائلات على شراء ما يكفي ليوم أو يومين فقط، بدلاً من شراء كميات كبيرة تحتاج إلى سيولة مالية غير متوفرة لدى كثيرين.
تغيّر في أولويات الإنفاق
الخبير الاقتصادي والمتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر مهند الزنبركجي أوضح أن انتشار الشراء بالقطعة يعكس محدودية الدخل لدى الأسر، ويكشف حجم الضغوط المعيشية التي تدفع المستهلك إلى التركيز على المواد الأساسية والغذائية فقط، مع تقليص الإنفاق على الكماليات والعبوات الكبيرة.
وأشار إلى أن الأسواق بدأت تتكيف مع هذا الواقع عبر توفير عبوات أصغر وأساليب بيع أكثر مرونة تتناسب مع القدرة المالية اليومية للمستهلكين.
مرونة أكبر رغم التكلفة المرتفعة
ورغم أن الشراء بالكميات الصغيرة يؤدي غالباً إلى دفع أسعار أعلى مقارنة بالشراء بالجملة، إلا أن كثيراً من المستهلكين يفضلونه لأنه يمنحهم قدرة أكبر على إدارة مصاريفهم اليومية دون الحاجة إلى إنفاق مبالغ كبيرة دفعة واحدة.
ويؤكد الزنبركجي أن هذا النموذج يخلق معادلة جديدة في السوق، إذ يدفع المستهلك سعراً أعلى مقابل كمية أقل، لكنه يحصل بالمقابل على مرونة تتلاءم مع وضعه المالي الحالي.
تحديات وفرص للتجار
هذا التحول لا يؤثر على المستهلكين فقط، بل ينعكس أيضاً على التجار والشركات، حيث يفرض عليهم تطوير أساليب البيع والتغليف بما يناسب الطلب على العبوات الصغيرة.
ويرى الزنبركجي أن هذا النمط يمنح التجار فرصة لتوسيع قاعدة الزبائن وزيادة حركة البيع اليومية، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات تتعلق بهوامش الربح وتكاليف التغليف والتوزيع.
كما يشير إلى أن الشركات الكبيرة قد تضطر مستقبلاً إلى تطوير خطوط إنتاج خاصة بالعبوات الصغيرة لتلبية متطلبات السوق المحلية.
اقتصاد جديد يفرض نفسه
وتقديرات غير رسمية تشير إلى أن نحو 40% من الأسر السورية تعتمد حالياً على الشراء بالقطعة لتأمين احتياجاتها الأساسية، وسط توقعات باستمرار توسع هذا النمط خلال السنوات المقبلة إذا استمرت الظروف الاقتصادية الحالية.
ويبدو أن “اقتصاد التجزئة الدقيقة” أصبح جزءاً من المشهد التجاري اليومي في سورية، مع تأثيرات متزايدة على أنماط الإنتاج والتسويق وإدارة الأسواق.



