الاستثمارات الإماراتية في سوريا.. ثمة ما هو أبعد من الاقتصاد

في مشهد يعكس التنافس الإقليمي المحتدم، تتسابق قوى كبرى لملء الفراغ في سوريا. وتبرز الإمارات كلاعب رئيسي، لا بمساعداتها الإنسانية فقط، بل بسيولة مالية ضخمة وعلاقات متوازنة مع جميع الأطراف، في لعبة تتشابك فيها المصالح الاقتصادية مع الطموحات الجيوسوسياسية.
لماذا أبو ظبي الآن؟ قراءة في الدوافع
قررت الإمارات، عبر بوابة الاستثمار، أن تنشر قوتها الناعمة في سوريا. يأتي ذلك بعد رسائل إيجابية سمعتها من الحكومة السورية الجديدة، التي أبدت رغبة واضحة في ضبط توجهاتها السياسية. تهدف أبو ظبي من وراء ذلك إلى:
- منع خصومها الإقليميين (مثل تركيا وقطر) من الانفراد بإقامة أفضل العلاقات مع دمشق.
- تحويل سوريا إلى منصة لمد نفوذها التجاري، بعيداً عن السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز.
- لعب دور الوساطة المحتمل بين تل أبيب ودمشق، بما يخدم مصالحها الجيوسياسية، خاصة مع تنامي علاقاتها بإسرائيل.
الأهمية الاستراتيجية للموانئ السورية
يرى الخبير الاقتصادي علي عبد الله، في حديثه لـRT، أن التواجد في سوريا ليس ترفاً بالنسبة للإمارات، بل ضرورة تنافسية، خاصة في ملفي إعادة الإعمار وصياغة السياسات. ويشرح ذلك بالقول إن أزمة مضيق هرمز كشفت عن الأهمية الحيوية للموانئ السورية.
فبينما كان العراق أول من استخدم ميناء بانياس كطريق بديل، تنظر الإمارات الآن إلى الساحل السوري كجزء من استراتيجية ربط إقليمي أوسع، يمكنه سد الثغرات في سلاسل الموانئ الخليجية. الهدف النهائي هو دمج سوريا ضمن شبكة الموانئ والاتصالات الإماراتية، التي أنفقت عليها الدولة مليارات الدولارات.
ويؤكد عبد الله أن هذه الدوافع الجيوسياسية والاقتصادية تتغذى على تنامي الثقة بين البلدين، خاصة بعد استجابة دمشق السريعة لاحتواء تداعيات الهجوم على السفارة الإماراتية.
سوريا بين الأسد والجيب: من يسبق من؟
من جهته، يصف المحلل السياسي السوري أحمد طعمة موقف القيادة الحالية بأنه “خارج الاصطفافات التقليدية”، مع مرونة كبيرة في الانفتاح على جميع الأطراف. ويلاحظ طعمة أنه ورغم سبق تركيا والسعودية للإمارات في الحضور والتأثير، فإن أبو ظبي قد تتفوق عليهما في قطاف النتائج لأسباب عملية:
تركيا: تعاني من عجز مالي يمنعها من تمويل مشاريع ضخمة.
السعودية: استثماراتها ما زالت في إطار مذكرات تفاهم، ولم تترجم إلى واقع ملموس على حياة السوريين أو قيمة الليرة.
ويشير طعمة إلى معلومات عن زيارة سرية لوزير الخارجية التركي إلى دمشق، للضغط على الحكومة السورية لوقف تمدد الاستثمارات الإماراتية، خاصة في الساحل. والنتيجة هي أن المنافسة بين الرياض وأنقرة وأبو ظبي انتقلت إلى الأراضي السورية، وستعمل دمشق على الاستفادة منها اقتصادياً وسياسياً، دون تفريط في سيادتها.
وساطة محتملة بين دمشق وتل أبيب
يرى المحلل السياسي جمال رضوان أن الاستثمارات الإماراتية تشكل نوعاً من الضمانة التي قد تعيق التحركات العسكرية الإسرائيلية في سوريا. فالإمارات، بعلاقاتها المتميزة مع إسرائيل، قادرة على توظيف هذه الشراكة للضغط لصالح مقاربة غير عنيفة مع سوريا.
ويضيف رضوان أن إسرائيل تفضل حضوراً إماراتياً قوياً على حساب حضور تركي، تعتبره منافساً شرساً. لكنه يختم بالقول إن نجاح الإمارات في سوريا لا يزال مرهوناً بـ:
استقرار الأوضاع الداخلية في سوريا.
قدرة المنافسين الإقليميين (الذين يمتلكون حضوراً أقوى على الأرض وعلاقات مع شرائح واسعة من الشعب السوري) على الحد من طموحاتها.
روسيا اليوم



