الشراكة كغطاء: كيف تُخفي وزارة الصحة السورية خصخصة المشافي

يتزايد الجدل حول مستقبل القطاع الصحي في سوريا، على خلفية التباين بين التصريحات الرسمية والوقائع المتعلقة بإدارة بعض المشافي العامة. فبينما تؤكد وزارة الصحة في الحكومة السورية الانتقالية تمسكها بمجانية الخدمات ورفضها أي توجه نحو الخصخصة، تكشف معطيات سابقة مساراً متناقضاً، كما يظهر في حالة مستشفى دمشق لأمراض وجراحة القلب التخصصي.
هذا التباين لا يبدو مجرد سوء فهم، بل يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة التحولات الجارية، وما إذا كانت الخصخصة تُنفى رسمياً بينما يُعاد تشكيلها تدريجياً تحت مسميات أخرى، في بلد لا يزال فيه الوصول إلى العلاج مسألة حياة أو موت لا مجرد خدمة قابلة لإعادة الهيكلة.
نفي رسمي
خرج وزير الصحة مصعب العلي في 15 نيسان لينفي وجود أي نية لخصخصة المشافي أو طرحها للاستثمار، مؤكداً استمرار مجانية الخدمات وتكفل الدولة بالعجز. غير أن هذا الخطاب بدا أقرب إلى تطمين منه إلى عرض سياسة واضحة، خاصة مع الإقرار بأزمة بنيوية تشمل نقص التجهيزات وهجرة الكوادر، وهي معطيات تقوض فعلياً ادعاء إمكانية الحفاظ على النموذج الحالي دون إعادة هيكلة عميقة، أو وجود خطة متكاملة موازية لحل أزمة القطاع، وهو ما لم يتطرق إليه الوزير إذ اكتفى بالحديث عن “تطويرات” و”مراسيم” في معرض تصريحه لوسائل إعلام محلية.
النفي الرسمي جاء بعد جدل واعتراض شعبي واسع حول التوجه الحكومي لخصخصة المشافي سبق التصريح بأسابيع، ما يجعله أقرب إلى رد فعل يهدف لتهدئة الشارع حيال مسار رسمي قائم بالفعل من قبل الوزارة، بمحاولة لتفادي أي نقاش علني حول تبعاته الاجتماعية.
شراكة أم خصخصة؟
يصطدم هذا النفي باللافتة الجديدة التي تقف أمام مشفى دمشق لأمراض وجراحة القلب في منطقة دمر، والتي باتت تحمل العلم التركي مع عبارة مكتوبة باللغة التركية، وبتصريحات مصورة سابقة للوزير نفسه خلال لقاء أجرته قناة “الإخبارية السورية” قبل 4 أشهر أعلن فيها عن شراكة تركية في المشفى واستمرار مجانية العلاج خلال العامين القادمين دون توضيح ما سيحدث بعدها.
ويؤكد الصحفي ياسر الظاهر في مقالته بصحيفة “الثورة السورية” المنشورة مطلع آذار/مارس الماضي أن مستشفى دمر، الذي كان قبل 2011 يجري آلاف عمليات القلب ويعتبر مركزاً تدريبياً، شهد تحولاً إدارياً عقب القرار رقم 5100 (18/11/2025)، تمثل بإعادة تشكيل مجلس إدارته واستبعاد كوادر محلية مقابل إدخال عناصر غير سورية، بالتوازي مع حديث عن اتفاقية مع الجانب التركي ضمن إطار استثماري لم تُكشف تفاصيله.
انتقادات طبية حادة
كما انتقد الطبيب علي دياب ما جرى في المشفى وأكد أنه يتجاوز توصيف “الشراكة”، مشيراً إلى أن تصريحات الوزير عن وعود برفع رواتب الأطباء وضمان مجانية الخدمات لمدة عامين فقط تؤكد بأن المجانية مؤقتة لا ثابتة، وستضع المرضى محدودي الدخل أمام مستقبل علاجي غير مضمون.

وأوضح دياب أن إدارة المشفى أُزيحت لصالح جهة تركية غير واضحة الصفة، ما يعمق الشكوك حول خطط الوزارة، خاصة وأن هذا المسار بدأ من المشفى الأكثر تجهيزاً، ويعزز فرضية انتقال تدريجي نحو نموذج استثماري تتحول فيه الأولوية من الحاجة الطبية إلى الجدوى الاقتصادية.

تفكيك الرعاية الصحية
يكشف تاريخ المشفى نفسه طبيعة التحول الجاري في “سوريا الجديدة” اليوم. قبل هذه التجديدات، كان المشفى يمثل نقطة فاصلة في حياة آلاف المرضى، كما يوضح مهندس شارك في تأسيسه منذ 2003، إذ أسهم إنشاء المشفى في إنهاء قوائم انتظار عمليات القلب التي كانت تمتد لسنوات، وأنقذ حياة مرضى كانوا يفقدون فرصهم العلاجية.
ويشير إلى أن المشفى جاء ثمرة جهد وطني ضمن تجربة أوسع لتجهيز نحو أربعين مشفى بين عامي 2003 و2011 بأيدٍ سورية، ما يجعل ما يجري اليوم، في نظره، تفريطاً ببنية صحية متكاملة لا مجرد تغيير إداري، خصوصاً أن هذه البنية كانت قد أُنشئت أصلاً لسد فجوة قاتلة بين قدرة المرضى على الدفع والحق في العلاج.
وبين نفي رسمي ووقائع موثقة، تبقى التساؤلات المشروعة: كيف تتم إعادة صياغة غير معلنة لقطاع حيوي، تنقل عبء العلاج تدريجياً من الدولة إلى المرضى؟ وكيف يتم إخفاؤها ولصالح من؟ ولماذا يعاد إنتاج الحرمان الطبي الذي أُنشئت مشافي القطاع العام أساساً لمواجهته؟
الحل نت



