سبب علمي وراء ندرة زيارات الأبناء البالغين للوالدين!

في زمن يملؤه الحديث عن “العقوق” و”القسوة” و”جحود الأبناء”، يطرح علم النفس رواية مختلفة وأكثر إيلاماً للعلاقة المتوترة بين الآباء المتقدمين في السن وأبنائهم البالغين. الرواية لا تتحدث عن إساءة واضحة، بل عن شيء خفي ومفقود: الحضور العاطفي.
لغز الآباء “الصالحين” وأبنائهم البعيدين
بحسب ما ورد في تقرير نشرته مجلة VegOut، يستند إلى أبحاث علم النفس السريري، هناك نمط متكرر ومربك: آباء فعلوا كل شيء “على أكمل وجه” ظاهرياً. عملوا لساعات طويلة، ووفروا منزلًا دافئًا وثلاجة ممتلئة، ودفعوا تكاليف تقويم الأسنان والمخيمات الصيفية والجامعات. حضروا كل الفعاليات المدرسية، وقادوا السيارات إلى كل التدريبات.
ثم، في يوم من الأيام، وبعد أن يكبر الأبناء، ينظر هؤلاء الآباء حولهم ويدركون أن أبناءهم البالغين نادراً ما يزورونهم. ليس لأنهم غاضبون، ولا لأن مكروهاً حدث. بل لأنهم ببساطة لا يبدون راغبين في التواجد معهم.
الإجابة الصادمة: الإهمال العاطفي ليس “فعلًا” بل “غيابًا”
تقدم الدكتورة جونيس ويب، الأخصائية النفسية السريرية التي كرست أكثر من عقدين لدراسة ما تسميه “الإهمال العاطفي في الطفولة” ، تمييزاً حاسماً: الإهمال العاطفي ليس فعلًا يقوم به الوالدان تجاه طفلهما (مثل الضرب أو الإهانة)، بل هو تقصير منهما تجاهه. إنه ليس حدثاً، بل هو غيابٌ تام لشيء ما.
وهذا الغياب هو ما يجعله شبه مستحيل الإدراك، سواء بالنسبة للوالدين أو للطفل. فالطفل الذي تعرض للضرب يتذكر تعرضه له. أما الطفل الذي تم تجاهل مشاعره باستمرار، فلا يملك ذكرى محددة يُشير إليها. لديه فقط شعور مبهم بعدم الارتياح في وجود والديه، دون أن يستطيع ربطه بأي حادثة.
أنواع الآباء “المُهملين عاطفياً” دون قصد
تُحدد ويب أنواعاً من الآباء الذين يُسببون الإهمال العاطفي لأطفالهم دون أن يدروا، والعديد منهم هم تحديداً من يُوصفون عادةً بـ “الآباء الصالحين” . من بينهم:
الوالد المُدمن على العمل (Workaholic Parent).
الوالد المُهتم بالإنجاز (Achievement-Oriented Parent).
الوالد حسن النية الذي يُهمل نفسه (Well-Meaning but Self-Neglectful Parent).
هؤلاء ليسوا قساة، بل هم أناس أحبوا أطفالهم بصدق، لكنهم كانوا يفتقرون إلى القدرة على الاستجابة العاطفية لأن أحداً لم يُقدم لهم نموذجاً يُحتذى به عندما كانوا صغاراً.
المشكلة المتوارثة: إهمال عاطفي عبر الأجيال
تُوضح ويب أن الغالبية العظمى من الآباء المُهملين عاطفياً كانوا هم أنفسهم مُهملين عاطفياً في طفولتهم. فإذا كان الوالد يفتقر إلى القدرة على فهم مشاعر ابنه، فإنه سينشأ وهو يعاني من نفس النقص. لا يقتصر الأمر على عدم الاستجابة لمشاعر الأبناء، بل إنه لا يراها أصلاً. ولأنه لا يستطيع رؤية المشكلة، فإنه يعتقد حقاً أنه فعل كل شيء على أكمل وجه.
الحضور العاطفي الواقعي: أكثر من مجرد توفير احتياجات
تُعرّف الأبحاث “التوافر العاطفي” (Emotional Availability) في التربية بأنه يتجاوز تلبية الاحتياجات الجسدية. إنه يشمل قدرة الوالدين على خلق بيئة عاطفية إيجابية تدعم:
الأمان والبقاء.
التعلم والاستقلالية.
النمو الشخصي.
التواصل الحقيقي.
عملياً، يتجلى الحضور العاطفي في:
ملاحظة انزعاج الطفل وسؤاله عنه، بدلاً من محاولة حله أو تجاهله.
الاهتمام بحياته الداخلية (أفكاره، مخاوفه، أحلامه)، وليس فقط درجاته وإنجازاته.
الاستجابة لمشاعره بمشاعر مماثلة (التعاطف)، لا بإصدار الأوامر (“ستكون بخير، كن قوياً”).
الفرق بين قول “هذا ليس مشكلة” وقول “يبدو هذا صعباً حقاً. أخبرني عنه” .
إرث منتصف القرن العشرين: آباء عمليون لكنهم جافون عاطفياً
بالنسبة للعديد من الآباء، خاصة الذين بلغوا سن الرشد في منتصف القرن العشرين، كان هذا النوع من التواصل العاطفي غائباً عن المشهد الثقافي. كانت مهمة الأب هي الإعالة والحماية والتأديب، ومهمة الأم هي الرعاية العملية (الطعام، النظافة، المدرسة). كان يُتوقع من الأطفال إدارة مشاعرهم بأنفسهم أو “تجاوزها مع الوقت”.
حيرة الآباء وعجز الأبناء عن التعبير
إن ما يُثير حيرة الآباء هو أن أبناءهم البالغين غالباً ما يعجزون عن التعبير عما يُزعجهم. فعند سؤالهم عن سبب عدم زيارتهم، يقولون أشياء غامضة مثل:
“لا أعرف، من الصعب التواجد هناك.”
“ليس لدينا ما نتحدث عنه حقاً.”
“أشعر بأنني غريب في المنزل.”
إنهم لا يتهربون، بل ببساطة لا يملكون الكلمات المناسبة. فهم يعيشون تجربة زيارة المنزل على هذا النحو: محادثات سطحية عن العمل والطقس، وغياب تام للأسئلة عن “الأحوال” الداخلية. يغادر الابن البالغ وهو يشعر بنفس الشعور الذي كان يشعر به في الرابعة عشرة: حاضر في الغرفة لكنه غير مرئي.
“بذلت قصارى جهدي”.. عبارة عن الماضي لا الحاضر
إن أكثر تبرير شيوعاً من الآباء الذين يشعرون بوجود خطب ما هو: “بذلت قصارى جهدي”. وفي معظم الحالات، هذا صحيح. لكن عبارة “بذلت قصارى جهدي” هي عبارة عن الماضي، ولا تُعنى بالحاضر. فالابن البالغ الذي ابتعد عن والده لا يطلب آلة زمن، بل يطلب شيئاً أبسط بكثير: والداً قادراً، الآن، على أن يكون مختلفاً.
“الرعاية الدفاعية”: درع الآباء غير المتاحين عاطفياً
تصف الأبحاث النفسية هذا السلوك بأنه “رعاية دفاعية” (Defensive Caregiving). حيث يتكيف البالغون الذين افتقروا إلى رعاية عاطفية موثوقة في طفولتهم من خلال أن يصبحوا معيلين مسؤولين وكفؤين للغاية. إنهم يوجهون كل طاقتهم الأبوية نحو الأمور التي يمكنهم التحكم بها (المال، اللوجستيات، الجداول، النظافة)، ويتجنبون الأمور التي لا يمكنهم التحكم بها (الضعف، المخاطرة العاطفية، مواجهة عدم الارتياح).
من الخارج، يبدون آباءً استثنائيين. أما من الداخل، فيشعر أبناؤهم بنقص ما، لكنهم لا يستطيعون تحديده. والأخطر أنهم غالباً ما يكررون النمط نفسه مع أبنائهم، ناقلين هذا النقص الخفي إلى جيل آخر.
نصائح للآباء: كيف تبدأ المصالحة؟
يشير جوشوا كولمان، في مقال له في مركز العلوم من أجل الخير الأكبر بجامعة كاليفورنيا، إلى أن المصالحة بين الآباء المنفصلين أو البعيدين عن أبنائهم البالغين نادراً ما تتطلب أن يكون الوالد مثالياً. ما تتطلبه هو:
الاستعداد للاستماع دون دفاع، حتى لو كان ما يسمعه مؤلماً.
الاعتراف بتجربة الابن دون الحاجة إلى تصحيحها أو تبريرها.
إثبات القدرة على النضج العاطفي الآن، وليس فقط في الماضي.
أما أهم خطوة عملية فيمكن تلخيصها في سؤالين على الآباء طرحهما على أنفسهم بصدق:
“هل نجحت في جعل ابني يشعر بأنه مفهوم، وليس فقط مرعياً؟”
“هل يشعر بأن مشاعره مرحب بها في هذا المنزل، أم أنها مجرد شيء يجب السيطرة عليه، والتقليل من شأنه، وتجاوزه؟”
إذا كان الوالد غير متأكد من الإجابة، فهذه بحد ذاتها إجابة ومعلومة. ويمكن البدء فوراً بـ طرح أسئلة حقيقية على الأبناء مثل: “كيف حالك حقاً؟” و”ما الذي يقلقك هذه الأيام؟”، مع الاستعداد للاستماع إلى الإجابة دون مقاطعتها أو تصحيحها.
ليست كل جروح العلاقات تأتي من الضرب أو الصراخ. بعضها يأتي من الصمت العاطفي، من غياب الأسئلة عن “الكيف” وليس فقط عن “الماذا”. الآباء الذين يشتكون من ابتعاد أبنائهم عنهم غالباً ما يكونون ضحايا لتربيتهم هم أنفسهم، ولثقافة ربطت “العطاء المادي” بـ “الحب”. لكن الخبر السار هو أن العقل البشري مرن، وأنه يمكن تعلم الحضور العاطفي في أي عمر. الخطوة الأولى هي أن يدرك الوالد أن “قصارى جهده” بالأمس قد لا يكون كافياً لليوم. والخطوة الثانية هي أن يبدأ الآن، ولو بسؤال واحد صادق: “كيف تشعر حقاً؟”
العربية



