تقرير : أكثر من 80٪ من الأسر السورية تعجز عن تأمين غذاء كافٍ

تشهد الأسواق في سورية حالة من الركود الملحوظ، رغم أن مواسم مثل شهر رمضان والأعياد عادة ما تنعش الحركة التجارية.
ويعود ضعف الإقبال إلى تراجع القدرة الشرائية لدى معظم السوريين نتيجة ارتفاع الأسعار، وانخفاض الرواتب، وتراجع مصادر الدخل لدى شريحة واسعة من السكان.
ويأتي هذا الوضع في ظل اقتصاد ما زال يعاني آثار سنوات طويلة من الصراع، الأمر الذي أدى إلى تضرر البنية التحتية وتباطؤ عملية التعافي الاقتصادي.
كما دفعت هذه الظروف ملايين السوريين إلى مستويات مرتفعة من الفقر، ما انعكس مباشرة على مستوى المعيشة والقدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية.
تقرير دولي يرصد تراجع الأمن الغذائي
وفق تقرير حديث صادر عن برنامج الأغذية العالمي، فإن أكثر من 80% من الأسر السورية غير قادرة على الحصول على غذاء متنوع وكافٍ ومغذٍ، رغم وجود تحسن طفيف في مؤشرات الأمن الغذائي مقارنة بالسنوات السابقة.
ويشير التقرير، الصادر ضمن موجز البرنامج الخاص بسوريا لشهر فبراير الماضي، إلى أن تعافي البلاد ما يزال بطيئاً نتيجة سنوات الصراع والعزلة الاقتصادية وضعف الاستثمارات، وهو ما أدى إلى استمرار هشاشة الاقتصاد وقلة فرص العمل.
وبحسب البيانات، فإن نسبة الأسر التي تتمتع بأمن غذائي في عام 2025 بلغت نحو 18% فقط، مقارنة بـ11% في عام 2024، ما يعني وجود تحسن محدود، إلا أن استمراره يعتمد بشكل كبير على الاستقرار السياسي وتوافر استثمارات تدعم عملية التعافي الاقتصادي.
كما أوضح التقرير أن البرنامج قدم خلال شهر يناير الماضي مساعدات لنحو 6.7 مليون شخص داخل سورية، شملت توزيع أكثر من 36 ألف طن من المواد الغذائية، إضافة إلى تحويلات نقدية تجاوزت قيمتها 9 ملايين دولار لدعم العائلات الأكثر احتياجاً.
ويحتاج البرنامج إلى تمويل إضافي يقدر بنحو 175 مليون دولار لتغطية عملياته الإنسانية خلال الفترة الممتدة من مارس إلى أغسطس 2026.
وحذر التقرير من أن نقص التمويل قد يهدد المكاسب المحدودة التي تحققت في مجال الأمن الغذائي، خاصة بالنسبة للفئات الأكثر ضعفاً مثل سكان المخيمات والنازحين داخلياً والعائدين إلى مناطقهم، إضافة إلى ذوي الإعاقة والأسر التي تعيلها النساء.
دعوات لمعالجة جذور الفقر
ترى الباحثة الاجتماعية السورية مريم يونس أن استمرار التدهور الاقتصادي لا ينعكس فقط على الوضع المعيشي، بل يمتد أيضاً إلى آثار اجتماعية وصحية خطيرة.
وتشير إلى أن الظروف الاقتصادية الصعبة دفعت عدداً متزايداً من الأطفال إلى ترك المدارس بحثاً عن فرص عمل، غالباً ما تكون محدودة الدخل ولا توفر الحد الأدنى من متطلبات الحياة. وفي المقابل، يختار كثير من أصحاب الكفاءات مثل الأطباء والمهندسين والممرضين الهجرة إلى الخارج بحثاً عن ظروف أفضل.
وترى يونس أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب سياسات أكثر جرأة لمعالجة المشكلات الاجتماعية الناتجة عن الوضع الاقتصادي، إلى جانب تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية في عدة مجالات رئيسية.
وتوضح أن هذه الجهود يجب أن تركز على ثلاثة محاور أساسية:
دعم التعليم والتدريب المهني لخلق فرص عمل تسهم في التنمية الاقتصادية.
توفير التمويل للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر لتحسين دخل الأسر.
الاستثمار في تطوير البنية التحتية لجذب السكان إلى المناطق المختلفة وتحسين مستوى الخدمات.
كما تؤكد أن تجاهل مؤشرات خطيرة مثل عجز 80% من السكان عن الحصول على غذاء متوازن يمثل إنذاراً يستدعي تحركاً سريعاً، محذرة من أن استمرار الفقر قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الجريمة ومشكلات اجتماعية وصحية أكبر.
الأسواق تعاني رغم توفر السلع
على الرغم من توافر السلع في الأسواق السورية نتيجة زيادة الاستيراد خلال الفترة الأخيرة، فإن الإقبال على الشراء لا يزال ضعيفاً.
ويقول أحد التجار في دمشق إن معظم المنتجات متاحة بمصادر وأسعار مختلفة، لكن حركة البيع تبقى محدودة بسبب ضعف السيولة لدى المستهلكين.
ويضيف أن الإنفاق يتركز غالباً على المواد الغذائية الأساسية، بينما تعاني قطاعات أخرى مثل الملابس من ركود واضح حتى مع اقتراب الأعياد.
ويترقب التجار أيضاً حجم الحوالات المالية القادمة من الخارج، خصوصاً من دول الخليج، والتي تمثل مصدراً مهماً لدخل كثير من الأسر السورية.
تغيّر في عادات الاستهلاك
يشير متخصص التسويق محمد القاضي إلى أن عادات الاستهلاك لدى السوريين تغيرت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.
ويقول إن أكثر من 80% من الأسر خفّضت إنفاقها نتيجة الفجوة الكبيرة بين الأسعار ومستوى الدخل. فالكثير من العائلات باتت تستغني عن بعض السلع أو تقلل كمياتها، خاصة اللحوم الحمراء التي اختفت تقريباً من موائد عدد كبير من الأسر.
أما لحوم الدجاج والخضراوات والفواكه فيجري شراؤها بكميات محدودة وبشكل مدروس لتقليل النفقات.
ويقدّر القاضي أن الأسرة السورية تحتاج إلى ما بين 1000 و1200 دولار شهرياً لتغطية النفقات الأساسية مثل الطعام والمواصلات، في حين أن متوسط الرواتب في القطاع العام لا يتجاوز نحو 100 دولار، بينما تتراوح أجور القطاع الخاص غالباً بين 200 و300 دولار.
ارتفاع الأسعار يضغط على الأسر
مع استمرار ارتفاع الأسعار، يضطر كثير من الموظفين إلى إعادة ترتيب ميزانياتهم اليومية.
وتقول إحدى المهندسات العاملات في شركة خاصة إن إعداد وجبات الإفطار خلال رمضان أصبح يتطلب حسابات دقيقة لتجنب تجاوز الميزانية المحدودة.
وتشير إلى أن أسعار بعض السلع ارتفعت بشكل غير مسبوق، مثل الطماطم التي وصلت إلى نحو 20 ألف ليرة للكيلوغرام، في حين ارتفعت أسعار الحمضيات أيضاً رغم أنها كانت سابقاً من الفواكه منخفضة السعر.
وتضيف أن تكلفة وجبة الإفطار لعائلة مكونة من أربعة أشخاص قد تصل إلى نحو 200 ألف ليرة، بينما قد تبلغ كلفة وجبة السحور نحو 100 ألف ليرة، ما يعني أن الأسرة قد تحتاج إلى حوالي 300 ألف ليرة يومياً لتغطية الحد الأدنى من الطعام خلال رمضان.
محاولات لجذب المستهلكين عبر العروض والأسواق الشعبية
في محاولة لتنشيط حركة الشراء، انتشرت الأسواق الشعبية والعروض الترويجية التي تقدم أسعاراً مخفضة للمواد الغذائية.
إلا أن هذه الجهود لم تنجح بشكل كامل في تحريك السوق بسبب ضعف القدرة الشرائية.
ويؤكد تجار أن كثيراً من الأسر باتت تشتري أقل من احتياجاتها الأساسية، ما يجعل تأمين غذاء متوازن لجميع أفراد العائلة أمراً صعباً.
ارتفاع أسعار الخضراوات وركود سوق الحلويات
تشهد أسواق الخضراوات والفواكه في سورية موجة ارتفاع في الأسعار نتيجة عوامل متعددة، من بينها تكاليف الإنتاج المرتفعة واعتماد جزء كبير من الزراعة على البيوت البلاستيكية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل.
كما يشير بعض المختصين إلى أن القيود على الاستيراد وضعف المنافسة بين التجار قد ساهمت أيضاً في ارتفاع الأسعار.
وفي المقابل، تعاني أسواق الحلويات الرمضانية من انخفاض الطلب، إذ باتت الأولوية لدى كثير من العائلات لتأمين الطعام الأساسي، بينما يتم الاستغناء عن الحلويات أو استبدالها بخيارات أرخص تُحضَّر في المنزل.
مخاوف من تأثيرات إضافية إذا استمرت الأزمات
يحذر تجار من أن استمرار التوترات الإقليمية أو ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين قد يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في أسعار السلع الأساسية مثل الأرز والزيوت والمعلبات واللحوم.
ويرى كثيرون أن تأثير هذه العوامل قد يصبح أكثر وضوحاً إذا استمرت الأزمات لفترة أطول، ما قد يزيد الضغوط الاقتصادية على الأسر السورية التي تعاني أصلاً من ظروف معيشية صعبة.
اندبندت عربية



