الاخبار

بث غامض بالأرقام بالفارسية… هل هي توجيهات للجواسيس

في زمن التشفير الرقمي والأقمار الاصطناعية، عادت إحدى أقدم أدوات الحرب الباردة للظهور من جديد. على موجات الراديو القصيرة، يتردد صوت رجل يكرر كلمة “انتباه” باللغة الفارسية ثلاث مرات، ثم يبدأ بسرد سلاسل من الأرقام الباردة: “ستة… أربعة… صفر… تسعة… ثلاثة… تسعة”. إنها “محطة أرقام” غامضة، يعتقد أنها تعمل من مكان ما في أوروبا، وترسل رسائل مشفرة إلى داخل إيران.

هذه البثوث الغامضة، التي رصدتها صحيفة “فايننشال تايمز” ونقلتها “اندبندنت عربية”، بدأت بعد ساعات فقط من الضربات الأميركية والإسرائيلية الأولى على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، في توقيت يرجح أنها جزء من معركة استخباراتية خفية تدور بالتوازي مع التصعيد العسكري.

“خط احتياط” مع العملاء داخل إيران
بحسب خبير استخبارات سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، جون سايفر، فإن هذه البثوث “على الأرجح وسيلة اتصال احتياطية مع مصادرنا داخل إيران” . وأوضح أن مثل هؤلاء العملاء لا يمكن المخاطرة بفقدان الاتصال بهم، خصوصاً في زمن الحرب، حيث تشدد السلطات الإيرانية القيود على الإنترنت والاتصالات.

محطات الأرقام، أو ما يعرف بـ”Number Stations”، هي وسيلة اتصال استخباراتي باتجاه واحد، تعتمد على قيام العميل بالاستماع إلى الأرقام وكتابتها، ثم استخدام مفاتيح تشفير خاصة لتحويلها إلى تعليمات مفهومة. وتتميز هذه الطريقة بأمانها الفائق، لأن الرسائل مشفرة بالكامل، ولا تترك أي أثر رقمي يمكن تعقبه، كما أن أي شخص يمتلك جهاز راديو يمكنه التقاطها، مما يجعل من المستحيل معرفة من هو المستهدف الفعلي.

تشويش إيراني ومعركة ترددات
لم تمر هذه الرسائل دون رد. فبعد أيام قليلة، حاولت طهران تعطيل الإرسال عبر موجات من التشويش الإلكتروني والصفير. لكن المحطة الغامضة عادت للبث مجدداً عبر تردد جديد، لتواصل قراءة الأرقام، في دليل على صعوبة وأمان هذه التقنية القديمة.

ويرصد مراقبو الموجات القصيرة هذه المحطة باسم “V32” ، وهي أول محطة أرقام معروفة تبث باللغة الفارسية منذ نحو ربع قرن. وتبث حالياً مرتين يومياً، عند الساعة الخامسة والنصف صباحاً والتاسعة والنصف مساءً بتوقيت إيران، لمدة ساعة ونصف في كل مرة.

حرب نفسية أم اتصال حقيقي؟
لكن بعض الخبراء لا يستبعدون تفسيرات أخرى. فوفقاً لما نقله روبرت غوريليك، مسؤول سابق آخر في CIA، قد تكون المحطة وسيلة يستخدمها معارضون إيرانيون للتواصل مع شبكاتهم داخل البلاد، لكن تشغيل مثل هذا البث يتطلب على الأرجح موافقة ضمنية من جهاز استخبارات غربي.

وهناك أيضاً احتمال أن تكون هذه الإذاعة جزءاً من حرب نفسية تهدف إلى إثارة الشكوك داخل أجهزة الأمن الإيرانية. فمجرد بث رسائل مشفرة قد يدفع طهران إلى الاعتقاد بوجود عملاء رفيعي المستوى داخل النظام ينتظرون تعليمات من واشنطن أو تل أبيب، مما يضغط على أجهزة مكافحة التجسس ويجعلها تبحث عن عملاء قد لا يكونون موجودين أصلاً.

ترسانة قديمة لا تزال فعالة
ورغم أن ظاهرة محطات الأرقام تراجعت بعد نهاية الحرب الباردة، فإنها لم تختفِ. ولا تزال دول مثل روسيا وبولندا وتايوان وكوريا الشمالية تستخدمها. ويقول توني إنغيسون، الباحث في شؤون مكافحة التجسس بجامعة لوند: “هذه المحطات تمثل ترسانة قديمة من وسائل الاتصال التي ما زالت تعمل اليوم كما كانت تعمل في الماضي” .

في عالم أصبحت فيه الاتصالات الرقمية عرضة للمراقبة والتعقب، تعود أجهزة الاستخبارات إلى أدوات الحرب الباردة، حيث الموجات القصيرة والأرقام المشفرة لا تزال قادرة على أداء المهمة نفسها: إيصال رسالة سرية إلى جاسوس مجهول في مكان ما، دون أن يترك أثراً.

اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى