الاخبار

غياب الموازنة يفتح الأبواب أمام الفساد؟ .. كيف اعتمدت موازنة حكومة عرنوس بعد سقوط الأسد؟

يستمر غياب الموازنة العامة في سورية بالتزامن مع غياب مجلس الشعب، ما يترك إدارة الإنفاق والإيرادات في مساحة رمادية تفتقر إلى الرقابة الواضحة والمساءلة المؤسسية.

وللعام الثاني على التوالي تدخل البلاد سنة مالية جديدة من دون إقرار موازنة تحدد سقوف الصرف وأولويات الجباية لكل وزارة، أو ترسم ملامح السياسة الاقتصادية للمرحلة المقبلة.

ما أهمية الموازنة العامة؟

الموازنة في جوهرها ليست مجرد جداول أرقام، بل خطة سنوية تعكس توجهات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية. عادةً ما تُعرض على البرلمان قبل نهاية العام لتكون خريطة عمل للسنة التالية، وتحدد من خلالها حدود الإنفاق والإيرادات، إضافة إلى البرامج التي تعتزم الدولة تنفيذها.

كما تحمل الموازنة بُعداً سياسياً واضحاً، إذ تعبّر عن فلسفة الحكومة في إدارة المال العام. فإذا كان هناك توجه لدعم قطاع معين، كالزراعة مثلاً، فإن ذلك ينعكس في تخصيص اعتمادات للقروض الزراعية، أو دعم مستلزمات الإنتاج، أو تمويل مشاريع الري واستصلاح الأراضي. وبهذا المعنى، تُظهر الموازنة الانحيازات الاقتصادية والاجتماعية للسلطة الحاكمة.

دور البرلمان في الإقرار والمحاسبة

بحسب دستور 2012 الصادر في عهد بشار الأسد، يتوجب على الحكومة تقديم مشروع الموازنة إلى مجلس الشعب السوري قبل شهرين على الأقل من بداية السنة المالية.

ويقوم المجلس بمناقشة المشروع والتصويت عليه بنداً بنداً، وله حق التعديل أو الرفض، ولا تصبح الموازنة نافذة من دون موافقته.

وتُعد هذه الموافقة بمثابة تفويض من الشعب للحكومة بالإنفاق والجباية ضمن الحدود المقرّة، وأي تجاوز لها يُفترض أن يخضع للمساءلة تحت قبة البرلمان.

لكن بعد تعليق العمل بدستور 2012 واعتماد «الإعلان الدستوري» كمرجعية انتقالية، تغيّر الإطار القانوني المنظم للعلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

فالمادة 30 من الإعلان نصّت على أن مجلس الشعب يقرّ الموازنة ويعقد جلسات استماع للوزراء، من دون منحه صلاحيات واضحة في المحاسبة أو سحب الثقة. كما لم يُذكر صراحة دور المجلس في إقرار الحساب الختامي الذي يكشف مدى التزام الحكومة بما تعهدت به.

العمل بمبدأ «الاثني عشرية»

عندما لم يتم إقرار موازنة جديدة، لجأت السلطات إلى تطبيق قاعدة «الاثني عشرية»، أي تقسيم موازنة العام السابق إلى 12 جزءاً شهرياً، والصرف على أساسها مؤقتاً إلى حين اعتماد موازنة جديدة.

وقد استُخدم هذا المبدأ بعد رفض موازنة 2025 التي أقرها آخر برلمان قبل التغيير السياسي، فتمت العودة إلى أرقام 2024 كأساس للصرف.

غير أن المشكلة برزت مع عدم اكتمال تشكيل مجلس الشعب مع نهاية 2025، ما يعني استمرار الصرف من دون موازنة جديدة أو رقابة تشريعية مكتملة الصلاحيات.

غياب الرقابة ومخاطر الفساد

يرى مراقبون أن غياب أدوات المساءلة الفعالة يفتح الباب أمام تجاوزات محتملة، خاصة في ظل تركّز الصلاحيات بيد السلطة التنفيذية، وغياب محكمة دستورية فاعلة تضمن توازن السلطات. كما أن جلسات «الاستماع» للوزراء، من دون آليات تحقيق أو مساءلة حقيقية، لا تُعد بديلاً عن الرقابة البرلمانية الكاملة.

ويؤكد معارضون وشخصيات سياسية أن الشفافية في إعلان أرقام الإنفاق وخطط التحصيل الضريبي ضرورة أساسية، حتى في حال غياب مجلس الشعب، لضمان الحد الأدنى من الرقابة المجتمعية.

ماذا تغيّر بين موازنة 2024 والواقع الحالي؟

كانت موازنة 2024، التي أُقرت في تشرين الثاني 2023 خلال حكومة حسين عرنوس، تبلغ 35.5 تريليون ليرة سورية. توزعت حينها بين 26.5 تريليون للنفقات الجارية و9 تريليونات للنفقات الاستثمارية، مع تخصيص 6.2 تريليون ليرة للدعم الاجتماعي، شملت دعم المشتقات النفطية والخبز والزراعة وصناديق المعونة والكوارث.

في المقابل، أعلنت السلطة الجديدة بعد سقوط النظام تغييرات جوهرية في السياسات الاقتصادية، من بينها رفع الدعم عن عدد من السلع الأساسية والمحروقات والخبز، إضافة إلى إعادة النظر في دعم القطاع الزراعي.

كما تغيرت خريطة الإيرادات العامة، سواء عبر إلغاء بعض الموارد التي كانت قائمة سابقاً، مثل بدلات الخدمة العسكرية، أو تعديل الرسوم الجمركية ونسبها على سلع متعددة، لا سيما السيارات والأجهزة الإلكترونية.

هذه التحولات تطرح تساؤلات حول مدى واقعية الاستمرار في الصرف وفق موازنة أُعدّت في سياق اقتصادي وسياسي مختلف تماماً، وحول كيفية ضبط الإنفاق والجباية في ظل غياب موازنة جديدة تعكس المتغيرات الحالية.

بين الحاجة إلى التخطيط وضرورة الشفافية

في المحصلة، لا يقتصر غياب الموازنة على كونه مسألة إجرائية، بل يمتد ليطال جوهر التخطيط الاقتصادي والرقابة المالية.

فالموازنة تضع قيوداً واضحة على السلطة التنفيذية، وتحدد أولويات الإنفاق بما ينسجم مع رؤية الدولة، كما تمنح البرلمان أداة أساسية للمساءلة.

ومع استمرار الصرف في ظل ظروف انتقالية غير مكتملة المؤسسات، تبقى الأسئلة مفتوحة حول آليات المحاسبة وضمان الشفافية، ومدى قدرة النظام المالي القائم على منع الهدر والفساد إلى حين استعادة دورة دستورية وتشريعية متكاملة.

سناك سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى