الاخبار

عفو الشرع يثير انتقادات عقب تقارير عن شمول متورط في أحداث السويداء

يشهد الشارع السوري جدلاً متصاعداً حول مرسوم العفو العام الذي أصدره الرئيس الانتقالي أحمد الشرع الأسبوع الماضي، خاصة بعد تداول أنباء عن شمول القصي الشمري، المتهم بالمشاركة في أحداث السويداء الدامية خلال يوليو/تموز 2025، وسط صمت رسمي من السلطات الانتقالية في دمشق.

الإفراج عن متهم بأحداث السويداء يثير التساؤلات


وتداول ناشطون سوريون عبر منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة تظهر خروج قصي الشمري من السجن، فيما تبادلت صفحات تابعة لشخصيات عشائرية رسائل تهنئة ومباركة له، معتبرة أن مرسوم العفو الأخير شمله. لكن السلطات الانتقالية لم تصدر أي بيان رسمي يؤكد أو ينفي صحة هذه المعلومات حتى اللحظة .

وكان الشمري قد ظهر في مقاطع فيديو خلال اجتياح مدينة السويداء في يوليو/تموز 2025، وهو يوثق عمليات خطف لنساء درزيات ويستهدف منازل المدنيين، بالإضافة إلى عبارات تحريض طائفي، قبل أن تعلن السلطات السورية توقيفه بعد أشهر من تلك الأحداث دون الكشف عن تفاصيل التحقيق أو التهم الموجهة إليه .

وزير العدل: العفو استثنى مرتكبي الانتهاكات
المثير للجدل أن وزير العدل السوري مظهر الويس كان قد أكد في تصريحات متلفزة أن مرسوم العفو العام “استثنى بشكل قاطع جميع من ارتكبوا انتهاكات أو فظائع بحق الشعب السوري”، مشدداً على أنه “لم ولن يخرج أي إنسان متورط في قطرة دم واحدة تجاه أبناء الشعب السوري” .

وأضاف الوزير أن المرسوم “قانوني ومتوافق مع الإجراءات الدستورية”، واصفاً إياه بأنه “ضرورة ملحة فرضها الواقع المعقد من الناحيتين القانونية والتشريعية”. وكشف أن نحو نصف مليون سوري سيستفيدون من المرسوم، مشيراً إلى الإفراج عن 1500 شخص حتى الآن .

انتقادات حقوقية: العفو يهدد مسار العدالة الانتقالية
وأثارت تصريحات الوزير موجة انتقادات واسعة من ناشطين ومحامين سوريين. وقال المحامي والناشط الحقوقي ميشال شماس إن “تصريحات وزير العدل بأن مرسوم العفو قانوني ودستوري هي تصريحات سياسية أكثر منها قانونية” .

وأضاف شماس أن “الحديث عن اكتظاظ السجون وكونه ضرورة ملحة لا يبرر إصدار عفو عام بقرار فردي، فالإعلان الدستوري واضح يحصر هذا الاختصاص بالمجلس التشريعي، وغياب المجلس لا يخلق صلاحيات جديدة للرئيس، وهذه قاعدة دستورية معروفة” .

كما لفت إلى أن قول وزير العدل “إن المرسوم استثنى الجرائم الجسيمة هو قول فضفاض وغير دقيق”، مشيراً إلى أن “النص شمل جرائم خطيرة مثل الخيانة والاتصال بالعدو وإثارة الحرب الأهلية كما شمل جريمة النيل من هيبة الدولة التي ارتُكبت في عهد الأسد، بينما استثنى الجرائم نفسها إذا ارتُكبت في عهد السلطة الحالية، وهو تناقض لا يمكن تفسيره بمعايير العدالة أو السلم الأهلي” .

نزاع دستوري حول صلاحيات الرئيس
ويتقاطع هذا الجدل مع نقاش قانوني أوسع حول دستورية إصدار العفو من قبل الرئيس الانتقالي. فقد اعتبر المحامي البارز والناشط الحقوقي أنور البني أن “الإعلان الدستوري الذي أصدره الشرع نفسه لا يمنحه صلاحية إصدار عفو عام”، محذراً من أن هذه الخطوة تمثل “مؤشراً خطيراً على تجاوز مبدأ سيادة القانون” .

من جهته، أكد المحامي غزوان قرنفل أن “الرئيس لا يملك السلطة الدستورية لإصدار عفو عام، فهذا من اختصاص المجلس التشريعي”، معتبراً أن “ما حدث يشكل تجاوزاً وانتهاكاً للإعلان الدستوري” .

في المقابل، يرى المحامي عبد الناصر حوشان، العضو المنتخب في مجلس الشعب الذي لم ينعقد بعد، أن “غياب النص الدستوري الصريح لا يمنع الرئيس من ممارسة هذه السلطة”، مستنداً إلى “العرف الدستوري الذي يسمح لرئيس الدولة بإصدار تشريعات في غياب سلطة تشريعية فاعلة” .

مخاوف من إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب
ويتمحور الجدل حول ما إذا كان العفو قد يشمل بالفعل مرتكبي انتهاكات جسيمة. ويؤكد الخبير القانوني سليم زينو أن “الجرائم المصنفة دولياً كجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية لا يمكن أن تخضع لعفو يؤدي إلى إفلات كامل من العقاب، وهذا المبدأ تعززته سوابق قضائية متعددة” .

ويشير زينو إلى أن “المجتمع الذي عانى من انتهاكات جسيمة يحتاج إلى وضوح قانوني لا لبس فيه: تحديد واضح للجرائم المستثناة، وتأكيد صريح على عدم شمول الجرائم الكبرى، ومسار قضائي محدد للتعامل مع الانتهاكات الكبرى” .

سابقة خطيرة أم ضرورة مرحلية؟
ويرى مراقبون أن قضية قصي الشمري تمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام السلطات الانتقالية باستثناء مرتكبي الانتهاكات من العفو. فبينما يؤكد الوزير أن “المتورطين بدماء السوريين لن يشملهم العفو” ، يثير الإفراج عن الشمري تساؤلات حول مدى دقة تطبيق هذه المعايير.

وكان تقرير صادر عن منظمة “هيومن رايتس ووتش” في يناير/كانون الثاني الماضي قد أشار إلى استمرار غياب المحاسبة عن مجازر السويداء، مؤكداً أن المسؤولية الجنائية لا تقتصر على المنفذين المباشرين، بل تمتد إلى القادة الذين أشرفوا أو غضوا الطرف عن الانتهاكات .

يبقى السؤال الأكبر: كيف تنظر الحكومة الانتقالية اليوم إلى مرتكبي الانتهاكات في السويداء؟ وهل يعتبرهم الخطاب الرسمي “مرتكبي انتهاكات” بالفعل أم أن ملفاتهم أعيد تصنيفها بما يسمح بشمولهم بالعفو؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد مصير مسار العدالة الانتقالية في سوريا، ومصداقية وعود السلطة الجديدة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم ضد الشعب السوري.

الحل نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى