نجوم و مشاهير

ثناء دبسي.. كيف تحوّلت شابة جريئة لأشهر أمهات الدراما السورية؟

بعد أيام قليلة، تمر الذكرى الثانية لرحيل الفنانة ثناء دبسي. امرأة رحلت عن 83 عاماً، لكنها تركت خلفها أكثر من ستة عقود من الفن، وجيلاً كاملاً نشأ على صوتها الدافئ وملامحها التي لا تُنسى. في ذاكرة السوريين والعرب، هي الأم. الأم الحنون، الصبورة، التي تحمل هموم أبنائها وتخبئ دموعها خلف ابتسامة.

لكن ثناء دبسي لم تكن أماً منذ البداية. قبل أن تصبح أيقونة للأمومة الدرامية، كانت شابة حلبية قررت أن تخلع عباءة التوقعات المجتمعية وتمضي نحو حلمها.

حلب.. البداية من حيث ينتهي الآخرون

في خمسينيات القرن الماضي، كانت حلب مدينة تحافظ على تقاليدها بصرامة. الفن، حتى للرجال، كان مغامرة محفوفة بالمخاطر. أما النساء الممثلات فكن نادرات، تكاد لا تُحصى على أصابع اليد.

ثناء دبسي، الطالبة في المرحلة الثانوية، وجدت نفسها أمام خيار: إما أن تكمل درباً مرسوماً مسبقاً، أو أن تشق دربها بنفسها. اختارت الثاني. تخلت عن الدراسة، وتعلمت الغناء والموشحات والقدود والرقص. لم تكن تعرف أنها تضع اللبنة الأولى لمسيرة ستمتد سبعة عقود.

دمشق.. فتاة التسعة عشر تخوض المجهول

في الستينيات، حزمت ثناء حقائبها وغادرت حلب إلى دمشق. كانت في التاسعة عشرة فقط. لم يكن الأمر مجرد انتقال جغرافي، كان قطيعة مع الأمان الوظيفي والعائلي، وركوباً في اتجاه الريح.

في العاصمة، وجدت نفسها بين كوكبة من المؤسسين. نهاد قلعي، عبد اللطيف فتحي، رفيق الصبان، محمود جبر. معاً، وضعوا حجر الأساس للمسرح القومي. على خشبته، لم تكن ثناء مجرد ممثلة مساعدة، بل نجمة استطاعت أن تقف على خشبة وتؤدي شكسبير وبرنارد شو وموليير ولوركا. امرأة من حلب تخاطب العالم بلغة المسرح العالمي.

إذاعة دمشق.. الزمن الجميل

قبل المسلسلات، قبل البلاتوهات والكاميرات، كان هناك الراديو. كانت إذاعة دمشق في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بيتاً لكل مبدع، وثناء دبسي كانت من أهله. عشرات البرامج والمسلسلات الإذاعية سجلتها بصوتها المشحون عاطفة، ذلك الصوت الذي سيبقى عالقاً في أذن كل من استمع إليه ولو مرة.

الأم التي تأخر ظهورها

المفارقة أن ثناء دبسي لم تبدأ بأدوار الأمومة. في شبابها، قدمت أدواراً متنوعة في المسرح والإذاعة والتلفزيون والسينما. فيلم “المخدوعون” عام 1973 مع المخرج توفيق صالح، و”قيامة مدينة” مع باسل الخطيب، ومسلسلات “الأميرة الخضراء” و”حارة القصر” و”الانتظار”. كانت نجمة، لا مجرد أم درامية.

فقط حين بلغت الخمسين، بدأ المخرجون يرون فيها تلك الهيبة التي تليق بالأم. في “الثريا”، “سيرة آل الجلالي”، “ذكريات الزمن القادم”، “عصي الدمع”، “غزلان في غابة الذئاب”، “زمن العار”، “بنات العيلة”. حتى في أصغر الأدوار، كانت تحضر كأنها البطلة. لم تكن تمثل الأم، كانت الأم.

عائلة فنية.. والابنة يارا

تزوجت ثناء دبسي من المخرج والفنان سليم صبري، وأنجبت يارا صبري التي ورثت موهبتها. عائلة فنية بامتياز، امتداد طبيعي لامرأة كرست حياتها للفن، وجعلت منه هوية لا مجرد مهنة.

21 فبراير 2024.. الستارة تسدل

في منزلها بدمشق، المدينة التي احتضنت حلمها قبل أكثر من ستين عاماً، رحلت ثناء دبسي بهدوء. كانت تبلغ 83 عاماً، تاركة خلفها إرثاً لا يقاس بعدد الأدوار، بل بعمق البصمة التي تركتها في وجدان من شاهدوها.

تمر الذكرى الثانية قريباً. وربما يكون الوفاء الحقيقي لثناء دبسي ليس في تأبينها، بل في تذكر أنها لم تكن أماً فقط. كانت، قبل ذلك، شابة جرؤت على الحلم في زمن كان الحلم فيه للرجال وحدهم. مشوارها ليس قصة نجاح فحسب، بل دليل على أن الفن، حين يكون شغفاً حقيقياً، يمكنه أن يكسر كل القيود.

إرم نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى