الاخبار

أميركا لم تعد بحاجة للعالم.. الجيل الثالث من الدولار سيهدم المعبد

أطلقت الولايات المتحدة مرحلة جديدة في تطور الدولار الأميركي، بعدما أقر الكونغرس قانونًا يحمل اسم GENIUS لتنظيم العملات المستقرة، في خطوة قد تحول العملة الأميركية إلى وسيلة دفع عالمية موجهة مباشرة للأفراد، بعيدًا عن الأطر التقليدية للبنوك المركزية والحكومات.

ويرى مراقبون أن هذا التحول يمنح الدولار دورًا يتجاوز كونه عملة احتياط دولية أو أداة تبادل تجاري، ليصبح خيارًا متاحًا للأفراد حول العالم في أوقات الأزمات، يسمح لهم بالتحول سريعًا من عملاتهم المحلية دون انتظار موافقات رسمية من سلطاتهم النقدية.

وفي هذا السياق، حذر مستشار للرئيس الروسي، أنتون كوبياكوف، بعد أسابيع من إقرار القانون، من تداعياته المحتملة، معتبرًا أنه قد يمنح واشنطن قدرة غير مسبوقة على إعادة هيكلة ديونها الضخمة التي تتجاوز عشرات التريليونات من الدولارات.

طلب متزايد على الدولار عبر أذون الخزانة

ينص قانون GENIUS على منح الشركات المصدرة للعملات المستقرة اعترافًا قانونيًا داخل الولايات المتحدة، بشرط استثمار احتياطياتها النقدية في أذون الخزانة الأميركية قصيرة الأجل. ويؤدي هذا الشرط عمليًا إلى خلق طلب مستمر على الدولار وأدوات دينه الحكومية، بغض النظر عن مستويات الفائدة، إذ يصبح الامتثال لهذا المطلب شرطًا للبقاء في السوق.

لكن هذا الإطار التنظيمي أثار مخاوف في الأوساط المصرفية الأميركية، خصوصًا لدى البنوك الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد بدرجة كبيرة على ودائع الأفراد. ويخشى مصرفيون من أن يؤدي انتقال جزء من المدخرات إلى العملات المستقرة إلى تقليص قدرة هذه البنوك على تمويل الشركات الصغيرة والأسر.

كما أبدى بنك “جي بي مورغان” قلقه من الثغرات المحتملة في القانون، مشيرًا إلى أن الحوافز التي تقدمها منصات التداول ووكلاء التوزيع – مثل المكافآت والعوائد غير المباشرة – لم تُنظم بشكل واضح، ما قد يضعف القيود المفروضة ويزيد الضغط على النظام المصرفي التقليدي.

ودفعت هذه المخاوف مجلس المصرفيين المحليين التابع لرابطة المصرفيين الأميركيين إلى مطالبة مجلس الشيوخ بتشديد الإطار القانوني، محذرًا من استغلال ما وصفه بـ”الثغرات التنظيمية” في بعض نماذج العملات المستقرة.

من بريتون وودز إلى العصر الرقمي

شهد الدولار عبر تاريخه عدة تحولات مفصلية. فحتى عام 1971 كان مرتبطًا بنظام “بريتون وودز” ومدعومًا بالذهب، قبل أن يقرر الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون فك هذا الارتباط، ما فتح الباب أمام تدويل العملة الأميركية على نطاق واسع.

أما اليوم، فيرى محللون أن قانون GENIUS يمثل المرحلة الثالثة في مسيرة الدولار، إذ يسمح له بالدخول إلى المجال اللامركزي للعملات الرقمية والتواصل مباشرة مع المستخدمين في مختلف الدول، دون الحاجة إلى تنسيق مسبق مع حكوماتهم.

الديون الأميركية وحسابات النفوذ

يأتي هذا التحول في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة مستويات قياسية من الدين العام، الذي يقترب من 36 تريليون دولار، أي ما يقارب ضعف حجمه قبل عقد واحد فقط. وقد تسببت هذه الضغوط في انقسامات سياسية حادة داخل الكونغرس خلال الأعوام الأخيرة، بلغت ذروتها مع إغلاق الحكومة لفترة طويلة نتيجة الخلاف حول سقف الاقتراض.

ويرى بعض الخبراء أن بناء نظام نقدي عالمي يعتمد على بنية رقمية لامركزية، لكن مفاتيحه التنظيمية بيد واشنطن، قد يمنح الولايات المتحدة أدوات جديدة لإدارة ديونها وتعزيز الطلب على سنداتها، مع الحفاظ على موقع الدولار في قلب النظام المالي العالمي لعقود مقبلة.

وفي المقابل، بدأ صناع القرار في أوروبا يدقون ناقوس الخطر، إذ دعا عدد من نواب البرلمان الأوروبي إلى تسريع إطلاق اليورو الرقمي أو دعم عملات مستقرة مقومة بالعملة الأوروبية لتحقيق توازن في السوق العالمية الناشئة.

الذهب والبيتكوين في دائرة الضوء

يربط بعض المحللين بين الارتفاعات القوية التي سجلها الذهب والبيتكوين خلال العامين الماضيين وبين النقاشات التي سبقت إقرار قانون GENIUS، معتبرين أن المستثمرين والبنوك المركزية تحركوا استباقيًا للتحوط من توسع النفوذ النقدي الأميركي.

ففي الوقت الذي عززت فيه العديد من البنوك المركزية مشترياتها من الذهب والأصول المادية، اتجه مستثمرون أفراد ومؤسسات مالية إلى العملات المشفرة الكبرى، وعلى رأسها البيتكوين، باعتبارها مخزنًا بديلًا للقيمة.

ومع ذلك، لا تزال القيمة السوقية الإجمالية لأكبر عملتين مستقرتين في العالم، وهما “USDT” و”USDC”، عند حدود 260 مليار دولار، وهو رقم يبقى متواضعًا مقارنة بحجم حيازة دول كبرى مثل اليابان والصين من أذون الخزانة الأميركية.

العربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى